يا أغنياء العالم خفِّفوا من استهلاككم واستغلالكم… وإلا!

د. أحمد ديركي:

بعيداً عن المسألة الاقتصادية ولكن في صلبها، تبدو عبارة متناقضة لكل من يستطيع قراءتها. كيف للبعيد عن الشيء أن يكون جوهره؟

تصبح الحقائق مشوهة عندما يفصل الجزء عن الكل ويمثل على أنه جزء منفصل لا علاقة له بالكل المتكامل، وهذا ما يحدث في عالم اليوم. عالم تتوحش فيه الرأسمالية إلى حد أصبحت فيه وحشاً كاسراً يقتل ويفترس كل من يجده في طريقه. قد تكون عبارة (وحش مفترس) مجرد استعارة تشبيهية لحال قائم، فالرأسمالية، كنظام، ليست بكائن حي، بل هي نتاج لفكر كائن حي يعرف باسم (الإنسان). وبعبارة أخرى يتحول الإنسان في المجتمع الرأسمالي إلى إنسان مفترس لبني جنسه.

أحد أوجه الافتراس المخفية، والتي يظن العديد منا أنه لا علاقة لنا بها، وأن كل ما يمكن أن يقال مجرد أحاديث فارغة مفصولة بشكل كلي عن الواقع، وهي من نسج الخيال، ومنها على سبيل المثال: ثلج القطب بدأ يذوب بنسب أعلى مما كانت عليه في السابق! وليكن، أعيش بعيداً عنه!

أمر بديهي أن تسمع إجابة كهذه من العديد ممن يقيمون بعيداً عن القطب، أو حتى في بعض الأحيان من القريبين جغرافياً منه.

وما علاقة الرأسمالية بكل هذا؟

إن استغلال الموارد الطبيعية إلى الحد الأقصى استغلالاً بشعاً غير مدروس، من أجل تحويلها إلى سلع استهلاكية، لتحقيق أكبر ربح، هو ما رفع من حرارة الأرض إلى حدّ أن أصبح فيه الجنس البشري مهدداً بوجوده.

ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة الاستغلال الوحشي لموارد الطبيعة لاستهلاكها ليس بالمسألة العابرة. كل منا، في معظم الأحيان، يقول إن فصل الشتاء تأخر، أو فصل الصيف طويل… وما أكثر ما نشكو ونتذمر من درجات الحرارة المرتفعة، وبخاصة عندما نكون مجبرين على السير أو انتظار الحافلة التي يطول انتظارها، وكم ننعم ونكون ممتنّين إن جاء أحد نعرفه يملك سيارة وبها مكيف هواء، أو نصل إلى البيت لنستهلك ما أمكن من الكهرباء للتبريد… وقصص أخرى كثيرة.

لكننا لم نفكر يوماً في أن ما يحدث في المناخ بسببنا نحن، لأن المنتجين قد أقنعونا وعوّدونا على الاستهلاك بأكبر كم ممكن. فأخذنا نستهلك، طبعاً وفقاً لمقدرة كل طبقة، وهم يحققون المزيد من الأرباح.

تصبح المعادلة سهلة: مزيد من الإنتاج يعني استهلاك أكبر لموارد الطبيعة، ولا يمكن زيادة الإنتاج إلا برفع مستويات الاستهلاك في المجتمع.

وتفتح الأنظمة السياسية الأبواب للأنظمة الاقتصادية التي ترفع مستويات الاستهلاك في المجتمع، للتغني بــ (مجتمع الرفاهية)، وإن كنا في أوطاننا العربية بعيدين كل البعد عن هذا المصطلح، إلا لقلة قليلة تحتكر ثروات البلاد، نبقى على رغم فقر الأغلبية مستهلكين نحاول التمثّل بـ(استهلاك الأغنياء).

وإن كان الأغنياء، الطبقة البرجوازية برمتها، أكثر الملوثين للبيئة، لكثرة استهلاكهم، مسببين ارتفاع درجات حرارة الأرض وما ينجم عنها من تهديد بقاء الجنس البشري، إلا أن أكثر ما يقع اللوم على الطبقة الفقيرة ويُطلب منها تخفيض استهلاكها!

على سبيل المثال لا الحصر: يُطلب من الفقراء أن يستخدموا في منازلهم مصابيح التوفير للطاقة الكهربائية. يتكلفون بدفع أثمانها المرتفعة لأنها توفر قليلاً من فاتورة الكهرباء. وهذا أمر طبيعي. لكن هل يستخدم الأغنياء في قصورهم الفسيحة مصابيح التوفير! رغم أن كل قصر قد ينفق ما ينفقه حي فقير بأكمله! فليقلّص الأغنياء استهلاكهم قبل أن يضعوا اللوم على الفقراء ويتهمونهم بأنهم متسببون بكل مآسي المناخ لكثرة عددهم. فقد تسببت الطبقة البرجوازية، والأنظمة السياسية التي أطلقت العنان لها بما يلي:

ارتفعت درجة حرارة الأرض بما يقرب 1 درجة مئوية، أعلى من مستويات ما قبل الصناعة في عام 2017.  ما تسبب بعيش ما بين 20 إلى 40% من سكان العالم في مناطق شهدت بالفعل، ما بين 2006-2015 ارتفاعاً في درجات الحرارة بأكثر من 5,1 درجة مئوية أعلى من مرحلة ما قبل الصناعة في موسم واحد على الأقل.

لا يظنّنّ من يقيم في المناطق الجبلية أنه بعيد عن مخاطر تهديد وجوده، فتسارع ذوبان الثلج سيغرقه، كما سيغرق ارتفاع مستوى البحر من يعيش على ساحله!

فيا أغنياء العالم، خفّفوا من استهلاككم واستغلالكم لموارد الطبيعة ولفقراء العالم حفاظاً على الجنس البشري، وإلا فإن علينا وعليكم السلام!

العدد 886 - 13/11/2019