الكفاية الإدارية وأهميتها للاقتصاد المعاصر

يونس صالح:

إن الإدارة هي الوظيفة الاجتماعية ذات التأثير في حركة المجتمع، في مجالات الاقتصاد والإنتاج والسياسة والثقافة وشؤون الرفاهية العامة، والإدارة الحديثة هي عماد التقدم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري في عالمنا المعاصر، ولم يعد العقل الإنساني في عالم اليوم يقبل الجدل أو النقاش حول ماهية الإدارة وأهميتها وضرورة الأخذ بمفاهيمها وأساليبها المتطورة كأسلوب لتنظيم النشاطات الإنسانية في مختلف مجالات الحياة.

كذلك لم يعد هناك بين القائمين على أمور الاقتصاد والإنتاج والخدمات في عالمنا المعاصر خلافٌ على ضرورة توفير القدر الأكبر من الحرية والمرونة للإدارة، وتأمين استقرارها، وصولاً إلى تهيئة المناخ الأمثل المساعد على اتخاذ أنسب القرارات، ورسم السياسات المثلى وإعداد الخطط والبرامج الهادفة جميعاً إلى تحقيق الأهداف الإنسانية والاجتماعية المنشودة. ولقد أسهمت البحوث والعلوم الإدارية الحديثة في توفير كثير من المفاهيم والأساليب المتطورة المعاونة في ترشيد العمل الإداري وتحسين كفاءته.

ولكن من ناحية أخرى يلاحظ في كثير من المنظمات الحديثة أن الإدارة فيها تفشل في تحقيق الغايات المستهدفة، وتقصّر عن الوصول إلى الأهداف المنشودة، بالرغم من الدعم والتأييد الذي تحصل عليهما الإدارة من المجتمع الحديث. وتتضح هذه الظاهرة في معظم البلدان النامية، ومنها البلدان العربية وإن كان بدرجات مختلفة. أما عندنا فتتعدد مظاهر الفشل الإداري أو فلنقل التخلف الإداري، ويبدو ذلك تارة في صورة تخلّف في الإنتاج كمّاً وكيفاً، وتارة ثانية تتضح صوره في تخلّف الخدمات للناس وارتفاع تكلفتها الاجتماعية، وتارة ثالثة تتبدى في صورة تعقّد الإجراءات، وتجمد في النظم والسياسات، أو قد تتبلور في قرارات متناقضة متعارضة. والصورة العامة للإدارة عندنا هي إذاً مزيج من الإسراف في تبديد الثروات والموارد النادرة، والعجز عن تحقيق الأهداف الاجتماعية المقررة في حدود التكلفة الاقتصادية المعقولة. وتعم هذه الصورة كثيراً من المرافق وأجهزة الإنتاج والخدمات، يتساوى في ذلك الحكومي منها أو الخاص.

من أجل ذلك أصبحت القضية الإدارية الأولى لدينا هي قضية الكفاية الإدارية.

إن المطلب الأساسي الآن هو زيادة هذه الكفاية على جميع المستويات، سواء في أجهزة الحكم والإدارة السياسية، أو في منظمات الإنتاج والخدمات عامة.

ونقصد بالكفاية الإدارية: القدرة على أداء الأعمال الصحيحة والتوصل إلى تحقيق النتائج المطلوبة في حدود التكلفة المناسبة.

إن المنطق الأساسي في قضية الكفاية الإدارية يتمثل في عدة مفاهيم واضحة هي:

– إن العمل الإداري نشاط هادف بالدرجة الأولى يرمي إلى تحقيق نتائج اقتصادية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية، يرغبها المجتمع.

– إن التنظيمات والأساليب والإجراءات الإدارية ليست أهدافاً في حد ذاتها، ولكنها في الأساس وسائل معاونة في الوصول إلى الأهداف السابق تحديدها بمعرفة المجتمع أو ممثليه.

– إن المعيار الحقيقي للحكم على كفاءة الإدارة ونجاحها هو قدرتها على الإنجاز، وتحقيق النتائج المستهدفة في حدود التكلفة المقدرة والمقبولة اجتماعياً.

– إن الشكل لا يهم كثيراً في الإدارة، بل إن المضمون هو الذي يحتل كل الأهمية، من ثم يجب أن تنصرف إليه كل الجهود من أجل تحديده بدقة وتطويره وتأكيد تحققه.

إن الكفاية الإدارية تتوقف على عوامل متعددة، يلعب كل منها دوراً يختلف في أهميته وتأثيره على المستوى العام للنشاط المبذول عامة. ومن بين تلك العوامل: المعرفة والإدراك الصحيح لمفاهيم وأساليب الإدارة العلمية الحديثة، والمناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع، وأنواع وكميات الموارد المادية والبشرية المتاحة.

ولكن وبرغم إدراكنا للأهمية القصوى للعوامل السابقة، إلا أننا نميل إلى تأكيد أهمية عامل يلعب حسب رأينا أهم الأدوار، ويؤثر في الكفاية الإدارية تأثيراً مباشراً وحاسماً، وذلك العامل هو المدير ذاته.

إن المدير هو ذلك العنصر الحيوي القادر على قيادة العمل الإداري، وتوجيه الأنشطة الإدارية جميعاً إما نحو الإنجاز والنجاح، أو نحو الفشل والدمار. إن الإجماع اليوم بين مفكري الإدارة وممارسيها ينعقد على اعتبار المدير بمثابة القائد الذي يتحمل مسؤولية رسم الاستراتيجيات والسياسات، ووضع الخطط واتخاذ القرارات الكفيلة بالوصول إلى أهداف ونتائج محددة، مستعيناً في ذلك بكل الموارد والطاقات التي تتاح له، والتي يمكنه تطويرها وتنميتها والعمل على تعظيم العائد منها. ومن هنا فإن اختيار المدير يجب ألا يكون بصورة اعتباطية أو فئوية كما يجري عندنا في كثير من الأحيان، وإنما يجب أن يتحقق على أسس تتوفر فيه، أي الخبرة العملية والعلمية المتعمقة، والذي يستطيع استثمار الوقت وإدارته بحيث يستفيد من كل دقيقة، وينفق الوقت في موضعه الصحيح، لأن الوقت هو أثمن الموارد وأكثرها أهميةً في عالمنا المعقد المعاصر، والذي يتجه باهتمامه وتفكيره أساساً إلى الأهداف والنتائج ولا يُغرق نفسه ووقته في الإجراءات والأساليب، والذي يستطيع اكتشاف نقاط القوة في الموقف ويعمل على استثمارها والإفادة منها، والذي يركز على مجالات العمل الحيوية ذات التأثير الشامل والحاسم على مجرى الأمور واحتمالات الإنجاز التي تؤدي إلى نتائج واضحة وحاسمة، وهو الذي يستطيع تحديد الأمور الأحق بالأولوية بدقة، والذي يتصف بالقدرة على اتخاذ القرارات الفعالة، أي القرارات القابلة للتنفيذ والممكن تحويلها إلى نتائج ملموسة، والذي يتحمل مسؤوليته في متابعتها وتطبيقها.

وبصورة عامة، كي يكون المدير فعالاً، يجب عليه أن يمارس الإدارة بروحها وليس بنصها.

 

العدد 886 - 13/11/2019