الإصلاح الإداري ودوره في الإحاطة بالفساد

د. سنان علي ديب:

لم نأتِ لنشخّص الحالة فقط، لأن الجميع متفقون على اتساع الظاهرة عمودياً وأفقياً لتصبح ظاهرة مسيطرة لعبت دورها في تهشيم البنى والترهل الذي استغلته قوى الإرهاب ودواعش الخارج والداخل. وقد قدّرنا حجم الأموال المنهوبة والمهدورة قبل الأزمة بحوالي ألف مليار ليرة، بما يعادل عشرين مليار دولار وهو يشكّل 30 بالمائة من الناتج المحلي. وجاءت الأزمة فتوقفت في بداياتها مواجهة حيتان الفساد، لضرورات أزموية. فالفساد ظاهرة عالمية معولمة مؤمركة، لأمركة العالم وبث سموم الفوضى والدمار فيه لتكون هي القائد المسيطر. ولذلك جرى الاعتماد على شخوص تابعة تركز الاقتصاد فيها وتقوض دور المؤسسات. وهذه الظاهرة لا طائفة لها ولا مذهب ولا دين، فهي تشكل منظومة متكاملة تغلغلت في كل المواقع والمفاصل لإحيائها ولو على حساب الأمن والأمان، وتجويع الشعب وتسهيل احتلاله ولو على حساب الدماء الطاهرة الشريفة. ولكن التوسع الكبير لهذه المنظومة، ونهمها لزيادة ثرواتها التي تُهرَّب إلى الخارج (إلى الدول الحامية) ستؤدي بشكل حتمي إلى صدامات عنيفة عمودياً وأفقياً، لأن هناك حدوداً للصبر وتحمّل الجوع، لدى شعب يتحمل كل ما يحمي بلده وسيادته، ولكن الفرز الطبقي الحادّ، وظهور المشهد كأسياد وعبيد يغيّر الرؤى والمواقف.

بشكل عام، بعد الانتصارات المعطرة بدماء الشهداء وعرق المناضلين المؤازرين للمؤسسة العسكرية، أصبحت الإحاطة بالفساد وتقويضه ضرورة، وقلنا الإحاطة لا الاجتثاث، بسبب طبيعة الفساد ومنظومته وتغلغله وانتشاره، وبذلك يجب أن يكون هناك برنامج وطني زمني متسارع للوصول إلى الحالة الصفرية واختيار الإصلاح الإداري منطلقاً لأنه ضمن خطواته تتقاطع كل أشكال الإصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي. فأهم الأدوات التي سهلت الفساد وتسرطنه كانت التعيينات بكل تنوعها، بحيث تتكامل المنظومة المثبطة للأجهزة الرقابية والمحولة للمنظمات والهيئات والنقابات لهياكل تهدر الأموال، وفاقدة للفاعلية، وتسمح لشريحة معينة بتجاوز القوانين وسط نخر وسوس أفسد القضاء والتعليم. فمؤسسات التنشئة مسرطنة وتخرج مخرجات تشبهها، ومؤسسات القضاء لا تختلف عنها بشيء، فأين الحل وسط مؤسسات رقابية منتهية الفاعلية؟ وكل ذلك وسط استمرارية محاولة حيتان الفساد قتل المؤسسات ودورها، ليكون لمالها الأسود دورٌ فاعل في إصدار القرارات. ولذلك نحتاج إلى إصلاح إداري يعتمد تعيينات قائمة على الكفاءة والنزاهة، وتخفيف من البيروقراطية وإتاحة أدوات تواصل بين المواطن والأجهزة الرقابية للشكوى، والمتابعة والمحاسبة مستمرة، سيكون لذلك كله مفعول استراتيجي لتخفيف الفساد. وهنا يسعنا أن نفرق بين فساد حيتان قراراتهم تصيب البلد بأكمله وتتجاوز حالته ووضعه وظروفه، وفساد صغير، رشوات مثلاً لقاء تسهيل أمور معينة.

وللسير بالإصلاح الإداري وإصلاح القوانين لابد من حكومة ذات صلاحيات واسعة وبرنامج محدد ينطلق من الحاجات والواقع، وهي المسؤولة عن التعيينات التي ستحاسب عليها، هذه هي بداية الطريق الصحيح مع تفعيل دور المنظمات والهيئات والأحزاب، لتكون رقابة مجتمعية ردعية، وطرح حل وطني للإحاطة بالفساد عبر صندوق تمنح مدخراته للتخفيف من انعكاسات الحرب القذرة التي كان الفساد من أسبابها ومسهلاتها، وكلنا يعرف حكومة دردرة البلد قبل الأزمة ومن يقف وراءها، وكيف استطاعت أن تنجح في إحداث انقلاب اقتصادي اجتماعي عنيف، بأدوات ما زالت فعاليتها حاضرة، وهؤلاء يجب أن يكونوا ضمن الحساب، والوصول إلى الحالة الصفرية حاجة وطنية لحماية المؤسسات والسيادة والشعب، والعقلانية في الطرح تمنح الحلول المنطقية. أكيد الفاسد الكبير فاقد لأي انتماء وطني أو طائفي، ولكن عندما يطبّق القانون على الجميع وفق صلاحيات تمنح للمؤسسات سيروّض. الفساد طارد للكفاءات وللأموال ومهدم للتطور الاجتماعي الطبيعي، ومساهم في بناء الأفكار الحاقدة الظلامية، وهنا لابد من التصريح أن القوى الظلامية والتابعة تجعل الفساد قاطرتها لتحقيق البرامج التي كلفت بها لصالح القوى الإمبريالية العالمية، ولذلك فالإحاطة به تفشيل لأهم أدوات غزو البلدان وتدميرها.

ونختم: الفساد منظومة لا إنسانية، لا وطنية، لا طائفية، لا مذهبية، فهو طائفة بذاته.

 

العدد 886 - 13/11/2019