التحرر الثاني: إفريقيا بين روسيا والغرب!

نضال محمد:

لا يمكن التغافل عن الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي في دعم حركات التحرر الوطني من الاستعمار الحديث في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ولم يكن هذا الدعم مقتصراً على النواحي العسكرية فقط، بل تعداه إلى النواحي الفكرية والثقافية والعلمية، فقد فتحت الجامعات السوفيتية أبوابها أمام آلاف الطلاب من دول العالم الثالث، الأمر الذي مكّن هذه الكوادر من تطوير بلدانها في مختلف المجالات.

والحقيقة أن الاتحاد السوفيتي لم يكن مجرد دولة لها سياستها الخارجية المحددة أو مصالحها، بل كان منظومة فكرية عميقة، استقت أسسها ومبادئها من محورية وقدسية الإنسان في الكون؛ وفي هذا كفاية لكي نفهم متانة هذه المنظومة وتماسكها وديمومتها. فأي إيديولوجيا لا تنطلق من هذا الأساس (أي الإنسان) لن يُكتَب لها النجاح والاستمرارية؛ لذلك فإن منظّري المعسكر الآخر يعلمون جيداً أن انهيار الاتحاد السوفيتي هو مجرد (انتصار فيه شك) ليس غير!

لن أخوض طويلاً في مقارناتٍ نظريةٍ، قد تبدو لبعض القرّاء ضرباً من الترف، بل سألج في مقالتي منطلقاً من قول الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي في قمة (الاتحاد من أجل المتوسط)، التي انعقدت في باريس عام ،2008 حين قال: بتخلّينا عن القارة الإفريقية اعتقدنا أننا أدرنا ظهرنا إلى ماضينا، والواقع أننا أدرناه إلى مستقبلنا! يدرك ساركوزي جيداً أن القارة الإفريقية هي كنزٌ مخبوءٌ من الخيرات والثروات بمختلف ألوانها وأشكالها، وهو وضوحاً لا يرى مستقبلاً آخرَ سوى السيطرة على هذه الثروات والمقدرات؛ لذلك يبدو لنا أنه قد فات الرئيس الفرنسي أن التاريخ الأوربي الأسود في إفريقيا ما زال محفوراً في ذاكرة شعوب هذه القارة، التي عانت أشدّ الويلات على يد المستعمرين الغربيين، وأن المستقبل لا يمكن بحال من الأحوال أن يشبه الماضي، وأن مصير الأمم والشعوب وتاريخها ليس (شيئاً شخصياً) تتخلى عنه أو تعيده إليك متى تشاء. فساركوزي نفسه تكلّم بلهجة المستعمر المتفوق، ولم يتخلَّ عن هذه اللهجة حتى بعد تركه منصب الرئاسة بسنين عديدة؛ إلى درجة أن النخبة المغربية قابلت حديثه بسخرية واستهزاء واضحين في المدرسة الصيفية، التي عقدها الاتحاد العام لمقاولات المغرب بتاريخ 13 أيلول الفائت في الدار البيضاء؛ علاوة على الدور المدمّر الذي لعبته فرنسا بقيادته في ليبيا، والأسباب معروفة لكل ذي بصر وبصيرة!

نعم، إفريقيا المعاصرة هي قارة الإمكانات والفرص الجديدة؛ إذ شهدت بعض الاقتصادات الإفريقية نمواً جيداً فاق كل التوقعات؛ ففي الفترة 2000-2013 بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي حوالي 2,5%، كما اتسعت الطبقة المتوسطة بشكل ملحوظ وواضح، حتى إن بعض الدول الإفريقية بات يستحق وبجدارة لقب (الأسود الإفريقية)، تشبيهاً لها بـ (النمور الآسيوية). هذا النمو الاقتصادي يعني ازدياد الاستهلاك، وبالتالي زيادة الطلب على مختلف السلع والخدمات، الأمر الذي يستدعي زيادة الاستثمارات في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

استناداً إلى ما تقدم، نجد أن معظم الخبراء، الروس والغربيين، متفقين على تصاعد موجة جديدة من (التنافس على إفريقيا)، فيما بات يطلق عليه رسمياً في العديد من الأدبيات السياسية- الاقتصادية بـ (الصراع على إفريقيا). اللاعبون الأساسيون في هذا الصراع الجديد: روسيا، الصين، الولايات المتحدة، دول الاتحاد الأوربي (كتلة وفرادى)؛ أما في عداد لاعبي المستوى الثاني فيمكن أن نذكر: تركيا، الهند، إيران، البرازيل، السعودية ومعها دول الخليج، كوريا الجنوبية… وغيرهم.

في الحقيقة، لا تبدو فكرة (الصراع) بحد ذاتها مستساغة في السياسة الخارجية الروسية؛ فروسيا أكّدت مراراً وتكراراً استعداداها لـ (التعاون والتفاعل والتنسيق) مع جميع الشركاء في القارة السمراء؛ فالمباحثات الثنائية أو متعددة الأطراف، بين روسيا والدول الإفريقية، لم تتوقف في العقدين الأخيرين. ولقد أكّد على هذه الأسس والمبادئ السيد سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي في كلمته في المؤتمر الاقتصادي (روسيا_ إفريقيا)، الذي انعقد في موسكو ما بين 18-22 حزيران الماضي، حين قال: (روسيا عبر القنوات الثنائية، وكذلك بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، مستمرة في دعم الأصدقاء الأفارقة في صراعهم ضد الإرهاب والجريمة والتهديدات عابرة الحدود. نبذل الجهود في حل النزاعات والأزمات في القارة انطلاقاً من المبدأ المعمول به في الاتحاد الإفريقي: المشاكل الإفريقية – حلول إفريقية)، وأضاف الوزير لافروف: (تحمل علاقات روسيا مع الدول الإفريقية طبيعة الصداقة التقليدية، وهي تنمو وتتطور على أسس المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح كل طرف).

في الواقع، إن الحديث عن مختلف جوانب التعاون الروسي الإفريقي قد يكون طويلاً، لذلك سأجملها ببعض الإشارات والقرائن، على أن نعود إلى تفصيلها في مقالاتنا اللاحقة:

-ازداد حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا من 4,17 مليار دولار إلى 4,20 مليار دولار بين عامي 2017 و،2018 أي بنسبة زيادة أكبر من 17% وهو في تزايد مستمر.

-وقعت روسيا، في السنوات الأخيرة، مع العديد من الدول الإفريقية اتفاقيات تعاون مشترك في المجالات العسكرية-الفنية والأمنية، ويعود السبب الحقيقي في تسارع التطور في هذا الملف إلى النجاحات الكبيرة التي حققتها روسيا في مكافحة الإرهاب في سورية، كما أن روسيا تبذل جهوداً إنسانية كبيرة في المناطق الموبوءة بالصراعات والنزاعات.

-المباحثات جارية ومستمرة بين الدول الإفريقية وروسيا في مجالات التحديث التكنولوجي المختلفة؛ كالاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والتكنولوجيا الفضائية والمكننة الزراعية والصناعات الخفيفة وتوليد الطاقة الكهربائية وتكنولوجيا النفط والغاز.

-التزايد الملحوظ لعدد الطلاب الأفارقة الراغبين في الدراسة في الجامعات والمعاهد الروسية.

تؤكد القرائن الآنفة الذكر تنامي الرغبة عند القيادات والشعوب، على حدٍ سواء، في تمتين وتطوير العلاقات الروسية_ الإفريقية؛ وهذا يؤكد ما بدأنا الحديث به حول الدور السوفيتي البنّاء والدور الغربي التخريبي في دول العالم الثالث عموماً والقارة الإفريقية خصوصاً؛ إذا لا يخفَى على المتابع ترحيب شعوب وقيادات دول العالم الثالث كلها بعودة روسيا إلى الساحة الدولية، والتي شكّلت الأزمة السورية البوابة الحقيقية لها.

تأسيساً على ما سبق، تأتي القمة الروسية_ الإفريقية، التي ستنعقد يومي 23 و24 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري في مدينة سوتشي، تتويجاً للجهود الروسية الإفريقية التي بُذلت في العقدين الأخيرين؛ فلقد دُعي جميع القادة الأفارقة، وأكّد معظمهم أنّه سيلبي الدعوة، وهذا ما تعجز عنه الدول الغربية في الوقت الراهن!

سيتم في هذه القمة توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية في مختلف المجالات، كما ستتم مناقشة العديد من صيغ التعاون بين روسيا وإفريقيا، وهذه النقطة كان قد أشار إليها الوزير لافروف أثناء زيارته إلى رواندا في حزيران عام ،2018 فقد صرّح أن هناك جهوداً تُبذَل حالياً بين روسيا وإفريقيا على إعداد ورقة عمل سياسية، يدور فحواها حول المفاهيم الأساسية للتعاون في السنوات القادمة؛ والواقع أنه يوجد العديد من الصيغ المطروحة للنقاش، أهمها: الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والبريكس وغيرهما!

وختاماً، لا تُخطئ العين، أيّ عين، في أننا أمام ديناميكية سياسية دولية حثيثة ومرنة، تقودها روسيا، تستحق بجدارة اسم (التحرر الثاني)، ستكون سوتشي أحد منصاته الرئيسية! فالتحرر الأول (الاستقلال السياسي)، الذي نالته العديد من دول العالم الثالث بفضل الجهود التي بذلها الاتحاد السوفيتي، لم يكتمل! ولاستكماله لا بد من النهوض بهذه البلدان اقتصادياً وثقافياً وعلمياً، وهذا هو ما تسعى إليه روسيا وبعض الدول الصديقة لها. وما هذه المرونة الملحوظة في الحراك السياسي الروسي الحالي، في الواقع، سوى الثمرة الحقيقة للتحرر الأول؛ فما كان لهذا الحراك أن يؤتي أُكُله لولا الزرع الطيب الذي زرعته المنظومة الاشتراكية؛ فكما تزرع تحصد وكما تدين تدان!

 

العدد 917 - 1/07/2020