الهوية إبداع الذات

إيمان أحمد ونوس:

منذ الولادة يكتسب الإنسان هوية عائلته بالوراثة، وهناك أيضاً هويات أخرى مُلحقة بها، كالهوية الدينية، والمناطقية، وربما السياسية، وتعلو كلَّ تلك الهويات الجنسيةُ التي يكتسبها من البلد الذي وُلِدَ فيه. وهذه جميعها هويات يحملها الفرد دون إرادة منه باعتبارها التصقت به وراثياً. فالهوية في أبسط تعريفاتها هي مجموعة من الصفات الموروثة في شخصية كلٍّ منّا، وهذه الصفات تُعتبر سمات مُميّزة لكل فرد عن الآخر.

لكن، خلال مسيرة هذا الإنسان، لا بدّ أن يواجه العديد من المسائل والقضايا التي تعمل على إحداث تغيير أو خلخلة في إحدى تلك الهويات أو بعضها، كالهجرة التي تمنحه فيما بعد جنسية البلد أو الموطن الذي هاجر إليه مثلاً، وهنا سيُصبح هذا الإنسان حاملاً لجنسيتين مختلفتين، الأولى بحكم الوراثة، والأخرى بحكم التغيير الطارئ على حياته، وهنا أيضاً قد يكتسب هويات أخرى عمل هو على وجودها، ولنا في هذا المجال أمثلة كثيرة قد توضح ما نقول، وخير تلك الأمثلة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي فُرِضَتْ عليه الهجرة من فلسطين بسبب الاحتلال البريطاني/الإسرائيلي لها، فقد ذهب مع عائلته إلى مصر واستقر فيها ردحاً من الزمن، ثم غادر إلى الولايات المتحدة التي استقر فيها حتى رحيله، وقد اكتسب الجنسية الأمريكية. وكان لهذا الواقع أثره على إدوارد سعيد، حين يتعرّض لسؤال عن هويته هل هي فلسطينية_ عربية أم أمريكية؟ فكان دائم التفكير في هذا التعدّد والانتماء ويقول أنا فلسطيني المولد وأمريكي الجنسية. وهذا ما دفع بالشاعر الكبير محمود درويش إلى نظم قصيدة بعنوان (طباق إلى إدوارد سعيد) ارتكزت على ما كان سعيد يقوله ويفكّر فيه، وقد جاء فيها:

إنَّ الهوية بنتُ الولادة، لكنّها

في النهاية إبداعُ صاحبها، لا وراثة ماضٍ.

وحين نستعرض هذا الموضوع، لا بدّ أن نرى المسألة بكل أبعادها، ومن مختلف الاتجاهات والجهات التي أثّرت فيها أو شكّلتها على هذا النحو أو سواه، انطلاقاً من انفتاح المجتمعات البشرية على بعضها مع دخولها فضاءات العولمة التي اجتاحت الجميع بلا استئذان، وعملت على تفكيك العديد من القضايا والمسائل لدى كل فرد عبر احتكاكه بالآخر/ المُختلف. وحين نُمعن النظر فيما جرى ويجري حولنا في كل بقاع الأرض، نجد أن الإنسان يعتمد خلال حياته هويات أخرى يختارها بحكم موقفه من هذه القضية أو غيرها من القضايا التي يتبنّاها، ولعلّ خير مثال حيّ على ذلك ما جرى في العديد من البلدان في ظلّ الحروب الدينية والطائفية على مرّ التاريخ الحديث، وصولاً إلى ما نُعانيه اليوم من حرب ما زالت تقتل وتُشرّد الآلاف من البشر تحت راية الدين، وكُلنا يعلم أن المقاتلين تحت تلك الراية/ الدين، الذي يُعتبر هوية يرتكز إليها هؤلاء يحملون جنسيات مختلفة، وقد يحملون الجنسية ذاتها ويعيشون في المكان نفسه، لكن بانتماء طائفي مُتنوّع كما جرى في لبنان سابقاً ويجري عندنا اليوم. إن تلك الهوية التي نتحدّث عنها هي من الهويّات المُدمّرة للفرد والمجتمع كما وصفها أمين ملوف في كتابه (الهويّات القاتلة)، فهو يؤكّد فيه أن الهوية المُتصالحة مع ثقافتها وذاتها وتاريخها ولغتها من جهة، ومع بيئة العولمة والسماوات المفتوحة و(قرية القارات الخمس)، قد تكون هي الترياق لفهم حقيقي للذات من حيث إنّ الهوية سيرورة وتراكمية مُركّبة ومُعقّدة، وفهم عميق لشروط التعايش المشترك، الذي لن يتحقق إلاّ بمبادئ الاحترام والحوار. وهذا يعني أن على أيّ إنسان النظر إلى مسألة الانتماء أو الهوية من منطلق إنساني بحت وشامل خلال تعامله مع الآخر، لأن تلك الهوية كما يراها العديد ممّن تناولوا هذه المسألة (ليست ثابتة ولا تُعطى للفرد مرّة واحدة، بل تمرُّ بمخاض طويل وعمليات تُشكّل مُتحوّلة من فترة إلى فترة حتى تصل إلى ما هي عليه). وهذا ما يؤكّده محمود درويش في قوله: أنا لا أخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف.

إن كل هذا يقودنا إلى التعامل مع هوياتنا المختلفة التي نحملها بالوراثة، من منطلق أو منظور أفضل وأكثر مرونة وشمولية في تعامل كلٍّ منّا مع ذاته، ومع الآخر/ المُختلف، بحيث نُعطي تلك الهويات أبعاداً مُغايرة لكلّ ما ورثناه وعمل على تعزيز واستدامة الحقد والتفتيت واحتقار الآخر، إذا كان لا ينتمي إلى ما نحمل حتى لو كان يُشاركنا الجغرافيا والجنسية.

 

العدد 886 - 13/11/2019