هويتنا شخصيتـنا.. وليسـت موروثـات

وعد حسون نصر:

من الطبيعي عندما نلج الحياة أن نكتسب هوية البلد، فأصولنا منبثقة منها، ولكن تبقى هويتنا الحقيقية مدى ثقافتـنا، مدى انتمائنا لهذا البلد، مدى بُعدنا عن الطائفية، وبالتالي ما يحدث اليوم في بلدي خلال حربه من انقسامات يدلُّ على أنّنا ورثنا الهوية، وسوف نجعل منها ميراثاً ليس فيه أيّ إبداع. أضحى كثيرون يدعون بحديثهم لطائفيةٍ مُبطّنـةٍ، وأضحى التميـيز صعباً ما بين الحفاظ على هويتنا السورية الأم، والتمسّك بمعتقداتنا وقوميتنا، فلا ضرر من الحفاظ على انتمائنا للأرض التي نبتـنا من جذورها، لكن الضرر في الفكر المُسيطر علينا في التمسّك بالمنطقة والطائفة والمذهب، فلم يعد مفهوم الهوية محصوراً باللغة والثقافة والمكان، بل بـات بمدى تمسّكـنا بصنع دولة داخل دولـة، هذا ما يحصل اليوم في بلدي (دولة في الشمال ودولة في الجنوب؟!) فلم تعد سورية هي الدولة الكبرى التي ننشأ تحت سمائها بلغة واحدة ومذهب واحد هو الإنسانية، لغتنا باتت التخوين، رسومنا عن الحرب باتت رموزاً دينية، حتى اللكنة أضحت هوية للعبور من منطقة إلى أخرى داخل البلد!! وأصبحت المنطقة قبور رهاب ورعب لمن ليس من أبنائها، والإعانة والتبرعات كلّها صارت هوية جديدة تُكسبنا امتيازات، فمن الطبيعي أن يحصل ابن المنطقة على إعانة وخدمات أكثر من الغريب، وبتنا نسمع في القرية والمدينة والحارة عبارة ابن البلد، وهي دليل على أنه ابن الطائفة لا ابن سورية، وهنا الهوية الأفضل والامتيازات الأكثر، ولا ننسى الاجتماعات وورشات العمل وغيرها، وخاصّةً من خلال كيفية طرح المواضيع حتى عند اختيار الحُرّاس في مكان غالباً ما يتمّ اختياره بعبارة ابن البلد، كناية عن ابن المنطقة مُغيبين أنه ابن سورية. هويتنا طُمِسَتْ مع طمس إنسانيتنا، مع تجاهلنا أنّنا أبناء بلد واحد وإن اختلفت اللهجة والمنطقة والطائفة، فهذه الحرب بدل أن توحدنا ضدّ الجهل فرّقتنا بأسباب الجهل! ضعنا بالأسباب ونسينا النتائج والحلول.

لكن يبقى هناك أشخاص ومنظمات تسعى بكل جهدها لتجعل من الهوية إبداعاً وليس موروثاً، هوية بلد لا منطقة، رسالة إنسانية لا خطاب كراهية، لذا علينا جميعاً وخاصةً خلال هذه المرحلة الحرجة على بلدي أن نلقي الخلافات الشخصية جانباً ونسعى لنُعزّز هويتنا السورية في نفوس أطفالنا، ولتعزيز فكرة أننا أبناء بلد واحدة لا يفرقنا شيء إلاّ بُعد المناطق عن بعضها البعض، تجمعنا الإنسانية، التاريخ الواحد، الحضارة الواحدة، نختلف فقط بالملامح واللون لا بالدين ولا بالمعتقد ولا بالطائفة، هكذا علينا أن نكون سوريين هويـتنا سورية بكل طوائفها.

 

العدد 886 - 13/11/2019