هل يمكن أن تتلخّص هويّتنا في بطاقة؟!

مرح محمد نبيل السمكري:

على حدود أحد البلدان، طلبوا مني هويّتي وهويّات من يرافقونني، قرؤوا أسماءنا وتواريخ ولادتنا، اطمأنوا لنا جميعاً وسمحوا لنا بالعبور. رافقني تساؤل: تُرى هل يمكن أن تتلخّص هويّتنا في تلك البطاقة؟ هل يمكن أن تُعبّر أسماؤنا وتواريخ ميلادنا عنا؟

هذه الكلمة الصغيرة (هويّة) تعني (الأنا) بكل مبادئها وأفكارها وميولها، هذه الكلمة تختصر بين حروفها صراعات يعيشها الإنسان من لحظة التقاطه النفس الأول، حتى يلفظ نفسه الأخير. فمن اللحظة التي يولد فيها الإنسان ويوجد على هذا الكوكب بشكل مادي، تلتصق به عدّة هويّات، مثل جنسه، ودينه، ومذهبه، والمجتمع الذي سينشأ فيه، والقيم التي سينشأ عليها، وجنسيته التي إما أن تفتح في وجهه أبواب جهنم، وإما أن تُغلقها وتفتح له أبواب الجنّة. وعند دخوله سنّ المراهقة، يحاول التّمرّد على كل الهويّات التي فُرِضَتْ عليه بسبب ولادته، بالمصادفة، في هذا المكان، فيعيش في حالة صراع مع المجتمع لعدّة سنوات، إلى أن يبلغ الرشد، عندئذٍ يبدأ برسم حدوده التي سيعيش فيها، يُلغي الهويّات التي لا يقتنع بها، ويتبنّى هويّات أخرى تناسبه.

لكن هذه ليست قصة الجميع، يوجد أشخاص لا يملكون هوّية، لا أقصد تلك البطاقة البلاستيكية، أقصد الأنا، هويّتهم أنهم بلا هويّة، شخصيات مطّاطية ليس لها ملامح، تعيش على فُتات شخصيات الآخرين، يتسلّحون بكلمة المرونة والحداثة ويجولون بها بلا توجّه مُحدّد، حتى صاروا بلا قضية ولا فكرة. ينظرون إلى أنفسهم في المرآة فلا يعرفونها، أضحوا يشبهون الجميع إلاّ هم، يشعرون بالاشمئزاز مِمَّن يتمسكون بهويّاتهم ولغتهم وطريقة عيشهم، فمن التّخلّف بالنسبة لهم أن تتكلّم باللغة العربية، مع أننّا نعيش في بلد عربي وجميع الأشخاص الذين يعيشون معنا عرب، إلاّ أن قواعد الحداثة التي تخصُّهم ترى هذا الأمر دونية ثقافية، يستهزئون بمن يستمع لموسيقا كلاسيكية عربية، وما تلبث أن تسمع منهم جملة (أنا لا أتابع ولا أستمع لأيّ شيء عربي) يسيرون خلف (الموضة) بغضّ النظر عمّا إذا كانت جميلة أو لا، مناسبة أو لا، كل ما يهمّهم هو التقليد، وإذا عبّرت لهم عن تمسكك بمبادئك يُمطرونك بعبارات من نوع (هل أتيت من باب الحارة؟)، أشخاص يجعلون من الدين والثقافة والسياسة قطعة قماش، تُغيّر مقاسها حسب الحاجة أو حسب المناسبة.

أنا لا أقصد من كلامي أننا يجب أن نكون جميعاً نسخة واحدة، ولا أقصد أننا يجب أن نكون مُتزمتين، أو مُنغلقين على أنفسنا، على العكس تماماً، لكن ما يهمّ في كل ما سبق، هو أن نعلم لماذا نفعل ما نفعله، يجب أن أكون مقتنعاً بالدين الذي أعتنقه، والمذهب السياسي الذي أؤيده، والفرع الذي أدرسه في الجامعة، والعمل الذي أعمل به، يجب أن يكون لدي قضية أو سبب خلف كل تصرف في حياتي، يجب ألاّ نلجأ إلى التقليد، ألاّ نكون (إمّعة) ولا يوجد أيّ عيب في تغيير الهوّية، أو حتى نسفها تماماً وتبنّي أخرى معاكسة لها، فمن الطبيعي عندما يتطوّر الإنسان وتختلف مُجريات حياته وأحداثها أن تتغيّر هوّيته، ومن المُمكن أن يكره توجّهاً سياسياً كان يؤيده، أو تتغيّر ذائقته الفنية، وربما تتطوّر طريقة معاملته للآخرين، أو تتبدّل نظرته إلى الحياة، كل هذا يصب في تنمية الشخصية وتطورها (إن كان التغيير نحو الأفضل)، وهذا كله طبيعي شريطة أن يكون مُدركاً تماماً لماذا تبنّى هذه الهوّية، ويعرف إلى أين يقوده هذا التوجّه، لكن مُخطئ من يتغيّر لينال رِضا من حوله أو ليُشبههم، فالإنسان المُنصاع خلف الآخرين، ليس له أيُّ وزن على هذا الكوكب، يمرّ على الحياة كمروره فوق لوح من جليد.

 

العدد 886 - 13/11/2019