من القلب إلى القلب | الساعة الخامسة فجراً!

عماد نداف:

أنا أخاف من الليل، فأتحاشاه.

أدخل غرفتي باكرا، وأستسلم للنوم. لا أعرف لماذا اعتدتُ على ذلك. أشعر أن النوم هو الحضن الذي يحميني من كل شيء، حتى من الكوابيس. لم تهاجمني الكوابيس إلا قليلاً، وقيل إن الكوابيس لا تأتي لمن ينام مرتاحاً، وأنا أنام مرتاحاً لأني أهرب من الليل باطمئنان!

منذ ثلاثين عاماً، أخرج من بيتي مع لحظات الليل الأخيرة. أريد أن أراه وهو ينهزم. هل رأيتم الليل وهو ينهزم، يشبه ستاراً أسودَ ذليلاً ينسحب أمام النهار. أنا أحب أن أرى الليل مهزوماً. أحب أن أرى سواده مهزوماً.

وفي شتاءات الحرب اللعينة عشته مع هذه اللحظات. اكتشفت غرابة الليل الموحش، فكل الأيام كانت صعبة، وكان الليل أصعبَها. رأيته أكثر من مرة، رأيته وهو يُهزم فعلا أمام الفجر، لكنه يخفي هزائم كثيرة من حولنا، هزائم الحرب والجوع والمأساة، وسأحكي لكم شيئاً عما رأيته في ليالي الحرب التي عشناها:

رأيت صلاة الفجر. في آخر الليل تسمع أذان الفجر.. نداء سحري يدعو إلى الفلاح وإلى خير العمل وإلى الصلاة. تسمعه وكأنه جزء من هوية المدينة الروحية الأبدية، وإذا كنت علمانياً، فإنك تسمع معه أصوات كنائس قادمة من النهار.

بعد الأذان ترى المصلين يستعجلون السير باتجاه المسجد. كلهم يستغفرون الله ويرجون عفوه ورحمته. أشار لي أحدهم، وكان متعباً محني الظهر، صعد سيارتي بصعوبة. سألتُه: لمَ لا تصلي في البيت؟ رد بحماسة: في صلاة الفجر تهزم الليل وتشاركك الملائكة في الصلاة، وتابع: يقول الرسول الكريم، في صلاة الفجر ستَرَونَ ربَّكم كما ترون هذا القمرَ!

رأيت قطاع الطرق. قال لي قاطع طريق ركب سيارتي دون أن أعرف مبتغاه: أعطني ألف ليرة، فأنا رب أسرة كبيرة، وعاجز، أعطني مما تحمله معك. أعطيتُه مئة ليرة، وعندما نزل من سيارتي، رأيته وهو يغذ السير ليقطعَ الطريق ويوقفَ سيارة أخرى!

رأيتُ عامل التنظيفات. كان يأكل عند الحاوية. قلت مازحاً: ألف صحة وهنا. كيف تأكل الطعام بارداً؟ فضحك، قال لي: إنهم لا يرمون الطعام في الطرقات إلا بعد أن يفسد، فهل تريدهم أن يقدموا لي طبقاً ساخناً مع الحلوى؟!

ورأيت المطر يهطل، ويهطل، وسمعت صوتاً: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) فظننت أنه الطوفان، فإذا المطر يتوقف، وأرى في زرقة الفجر ونزيز الماء الذي توقف فتاة مبللة. أحزنني وقوفها تحت المطر وهي شبه عارية. أشارت لي بيدها، وهي واثقة أنني سأقف. وكنت عند حسن ظنها، فوقفت. ركبت معي. كانت ترتدي ثوبا قصيراً، وتكشف عن صدر ناهد، وتفوح منها رائحة مطر وعطر رخيص. نظرت إلى وجهي في العتمة، وقالت: ابن حلال!

ومشت السيارة. سألتها: ماذا تفعلين في آخر الليل تحت هذا المطر؟ ردت عليّ ساخرة: بشرفك ماذا أفعل في آخر الليل؟ أصلي يعني؟ سألتها: هل تشتغلين في الملهى؟ فهزت رأسها. ولماذا لم يأت أحد لاصطحابك؟ أجابت: لأني هربت منه. قبل أن يأخذ كل شيء مني.

وقبل أن أصل إلى الساحة العامة، سألتها:

أين تريدين الذهاب، فأنا أكاد أصل؟! ردت تلقائياً: في أي مكان تريد.

وصلت إلى الساحة. ركنت السيارة جانباً، فرأيتها وقد كشف الفجر سحنتها وجمالها الشاحب وشعرها المبلل بالمطر. التفتت إلي وقالت:

إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت: إلى عملي!

سألتني: خذ إجازة اليوم!

قلت: ليس عندي إجازات.

ردت، وقد شرع جسدها بالارتجاف: الله معك.. وهمست وهي تبحث عن مفتاح باب السيارة:

– قلبي قال لي منذ البداية إنك ابن حلال!

وقبل أن تمشي سألتها: وأنت؟!

ردت، وقد شرع المطر بهطول كثيف:

– لن يصدقني أحد إذا قلت لك إنني ابنة حلال!

العدد 886 - 13/11/2019