بوتين: يجب تحرير أراضي سورية من الوجود العسكري الأجنبي

عشية زيارته إلى السعودية والإمارات، أدلى الرئيس فلاديمير بوتين بحديث لقناة روسيا اليوم وقناتي العربية وسكاي نيوز، ركز فيه على طبيعة علاقة روسيا بدول العالم العربي وجيرانها ومواقفها الدولية. ونشر الحديث الكامل في 13/10/2019.

ونورد هنا ما قاله الرئيس الروسي فيما يتعلق بالوضع في سورية:

بالنسبة لسورية، نحن ذهبنا إلى سورية لدعم الحكومة الشرعية، تحديداً الشرعية، أريد أن أشدد على ذلك. وهذا لا يعني عدم وجود مشكلات داخلية هناك، أنا مستعد للحديث عن ذلك لاحقاً ببضع كلمات، لمزيد من التفصيل. هذا لا يعني أن القيادة الحالية لا تتحمل أي مسؤولية عن الوضع. بلى، ولكن ذلك لا يعني مطلقاً أن نسمح للمنظمات الإرهابية بالاستيلاء على أراضي سورية، لتقيم هناك شبه دولة إرهابية. لم يكن بوسعنا السماح بأن يتدفق لاحقاً سيل من المقاتلين إلى بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، التي لدينا معها حدود مفتوحة ونظام تنقّل دون الحاجة إلى تأشيرة مرور. لم يكن بوسعنا السماح ببدء تسلل المسلحين من هناك إلى الأراضي الروسية. لقد خَبِرنا ذلك جيداً، ونعرف ما قد يؤدي إليه، وذلك من خلال تلك الأحداث غير البعيدة التي جرت في شمال القوقاز الروسي. ولذا، شكَّلت كل تلك الأمور دوافع حفزتنا على اتخاذ قرار بإسداء العون للسلطات الشرعية.

نحن لا نقدّم العون وحسب للسلطات الشرعية، بل ننطلق من أن التناقضات السياسية الداخلية يمكن ويجب، أن تحسم بالوسائل السياسية حصراً. ولذلك أصررنا على هذا الأمر بشدة، وأنا مسرور جداً لأن هذا هو ما يجري الآن، مع بدء العملية السياسية تحديداً، نتيجة لتشكيل ما يسمى باللجنة الدستورية.

لقد ولدت فكرتها هنا بالضبط، حيث نحن وإياكم الآن في سوتشي، خلال مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي تمثلت فيه مختلف القوى السياسية، بما فيها القوى المعارضة والهياكل الحكومية. وآنذاك، هنا تحديداً، اتفق السوريون فيما بينهم على إنشاء لجنة دستورية تشرع بالعمل لتعديل الدستور السوري، أو إقرار دستور جديد.

لقد قطعنا طريقاً معقداً، وصعباً، وطويلاً بما يكفي لتشكيل هذه اللجنة. والآن تم تشكيلها، أخيراً من جانب الحكومة، من جانب الرئيس الأسد، ومن جانب المعارضة. آمل أن تقوم في الأيام القريبة المقبلة بخطواتها الأولى، في جنيف، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.

سكاي نيوز العربية: السيد الرئيس، دعونا نعود إلى الموضوع السوري. أشرتم حضرتكم إلى الموضوع السوري قبل قليل. أنتم أعلنتم إنهاء العمليات العسكرية الواسعة النطاق في سورية، وقلتم إنه يجب الآن العمل على بدء مسائل التسوية السياسية. وأيضا استمعتُ إلى ما قلتموه في منتدى فالداي. تقولون إنه يمكن اعتبار سورية نموذجاً لحل الأزمات في المنطقة. هل يمكن الحديث اليوم عن تسوية سياسية في سورية قبل إنهاء الوجود الأجنبي على الأراضي السورية؟ اليوم هناك دول تتقاسم النفوذ في سورية. هناك طبعاً روسيا وهناك إيران وتركيا والولايات المتحدة. الوضع في الميدان غير مستقر، هل يمكن الحديث عن عملية سياسية قبل استقرار الوضع الميداني هناك؟

بوتين: يجب أن نأمل. الأمل آخر شيء يموت. أنا أتفق معك في أنه يجب على كل من هم موجودون في أراضي أي دولة بشكل غير شرعي، وفي هذه الحالة في الجمهورية العربية السورية، مغادرة هذه المنطقة. هذا ينطبق بشكل عام على جميع الدول. إذا كانت القيادة المستقبلية أي القيادة الشرعية لسورية ستقول إنها لم تعد بحاجة إلى وجود القوات المسلحة الروسية، فهذا ينطبق بالطبع على روسيا الاتحادية أيضاً. نناقش اليوم هذه المسألة بصراحة تامة مع جميع شركائنا: مع الإيرانيين ومع الأتراك. لقد تحدثنا مراراً وتكراراً عن ذلك لشركائنا الأمريكيين. وكما أخبرك الآن، تحدثت بصراحة مع زملائي.

سكاي نيوز العربية: هل لديكم تصور لمستقبل سورية السياسي؟ ولدور روسيا في سورية في تلك المرحلة؟

بوتين: أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال، وهو السؤال الأصعب، يمكن فقط للسوريين أنفسهم الإجابة. وآمل ألا يكون ذلك بواسطة السلاح، ولا عن طريق المواجهة المسلحة، ولا عن طريق قتل الأخ لأخيه (حرب الأشقاء)، ولكن خلال المفاوضات فيما بينهم، وأقصد في هذه الحالة، كما سبق أن ذكرت، في جنيف. والمرحلة الأولى في هذا الطريق، بالطبع، هي العمل على إعداد القانون الأساسي للبلاد، أي إعداد الدستور: إما بتعديل الدستور الحالي، أو بصياغة دستور جديد. لكن، ودون أدنى شك، مع وجوب ضمان مصالح الطوائف الدينية والمجموعات العرقية كافة. فلا بد للناس أن يدركوا أنهم يعيشون في بلدهم، وأنهم يتمتعون بحماية هذا البلد وقوانينه بشكل موثوق. وهذا ينطبق على السنة والشيعة والعلويين، كما ينطبق على المسيحيين، فسورية كانت دائماً في واقع الأمر دولة متعددة الطوائف وكان لها أن تفخر بذلك. يمكن فقط للأشخاص الذين يفتقدون للحكمة وحسن التقدير شن حملة كهذه وتنفيذ مذابح جماعية مثلما فعلت العناصر الإرهابية في سورية.

ولكني أعود وأكرر: ستكون هذه العملية عملية ليست بالسهلة، ستكون صعبة ولكنها، في رأيي، ممكنة التحقيق. هل تعرفون ما الذي يجعلني أفكر على هذا النحو الإيجابي؟ اليوم، يعود الكثيرون إلى منازلهم ودورهم. وأتحدث هنا عن الآلاف من الناس. من الخارج يعودون، ومن المناطق الأخرى في سورية يعودون إلى ديارهم وإلى مواطنهم الأصلية ومسقط رؤوسهم. هذه علامة أكيدة على أن الناس يثقون في الوضع الذي تشكّل حاليا، ويثقون في الضمانات التي تقدمها الدولة، وفضلاً عن ذلك يثقون في الدول الضامنة الموجودة هناك. ويسعدني جداً أن أشير في هذا الصدد إلى أن السوريين يتعاطون بإيجابية وبثقة كبيرة مع العسكريين الروس ومع شرطتنا العسكرية. وهذه الشرطة العسكرية، التي تؤدي خدمتها هناك بشرف وكرامة، مكونة في أغلبها من أفراد من شمال القوقاز، كلهم من المسلمين، والسكان المحليين، ولدي أمثلة محددة على ذلك، يأتون إليهم طلباً للحماية. يطيب لي جداً ذكر هذا الأمر، لكن بالطبع في نهاية المطاف، لكي يصبح الوضع مستقراً على المدى الطويل، يجب أن يتفق الناس فيما بينهم. فأسوأ أنواع السلام سيظل دائماً أفضل من أي حرب جيدة.

العدد 886 - 13/11/2019