الفساد بين التصريحات والمعالجات!

رمضان إبراهيم:

لا أعتقد أننا مررنا بمرحلة كانت فيها التصريحات عن محاربة الفساد والفاسدين بهذه الوفرة، فالحديث عن الفساد والفاسدين عبر وسائر التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، قد فاق الأحاديث عن المعارك على الأرض، ولكن في البداية أعتقد أنه من المنطقي أن نقول إن مكافحة الفساد والفاسدين والمفسدين لا يمكن أن تنجح بحسن النوايا عند أصحاب القرار، على قلّتهم، وأعني هنا الحريصين والصادقين فقط، لا من خلال تصريح مسؤول من هنا وآخر من هناك عن هذه المكافحة والقيام بحملة من أجلها ولا بالوعيد والتهديد بالضرب بيد من حديد، على الرغم من غلاء الحديد وارتفاع سعره ارتباطاً بالدولار اللعين.

إن المكافحة الحقيقية قد تنجح، أولاً، من خلال توفر الإرادة الصادقة لاجتثاث الفساد أو الحد منه إلى درجة كبيرة عند من يصل إلى موقع القرار. وثانياً عندما نبدأ من المدرسة والبيت في تربية أطفالنا على الأخلاق الحميدة والوطنية بكل معانيها وأبعادها، وصولاً إلى نشر ثقافة في مجتمعنا تختلف جذرياً عن الثقافة السائدة التي نعرفها جميعاً. وثالثاً عندما نطبق القياس والتقويم للأداء والأسس والمعايير في الإعفاء والتعيين للمواقع المهمة والمناصب، ونقضي على الطرق القائمة المبنية على العلاقات الشخصية والمصلحية والمرضية. ورابعاً عندما نطبق بشكل صحيح مبدأ الثواب والعقاب. خامساً عندما نعيد النظر بشكل جذري بموضوع الرواتب والأجور والتعويضات والحوافز ونبتعد عن القياس بمسطرة واحدة بين العاملين.

كل ما ذكرناه سابقاً قد يبقى ناقصاً إذا لم نصلح المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد، إصلاحاً جذرياً بدءاً من وسائل الإعلام، عبر تأهيل كوادرها أخلاقياً ومهنياً وعبر تطوير قانونها وإعطائها الحرية الكاملة في إعداد ونشر التحقيقات الاستقصائية، ودعمها مادياً ومعنوياً وتوفير كل متطلبات عملها، مروراً بأجهزة الرقابة بكوادرها وقوانينها وآليات عملها، وليس انتهاءً بالمؤسسة القضائية التي يجب أن يكون الجميع تحت سقف القوانين التي تطبقها بغض النظر عن نفوذ هذا وأموال ذاك ومظلة هذا وقرب أو بعد ذاك، وأن تكون صمام الأمان الحقيقي في بلدنا وليس كما هي الآن.

طبعاً للكثير من أبناء الوطن الحالمين بمكافحة الفساد والمفسدين نطمئنهم أن كل ما تقدم لن يتحقق بين ليلة وضحاها، إنما يحتاج إلى مشروع متكامل وعلى الحكومة أن تعده وتبدأ بتنفيذه هي ومن يأتي بعدها وبالتوازي، وعليها وعلى كل الجهات المعنية في بلدنا ملاحقة المرتكبين والمرتبطين بهم، مهما كانت صفاتهم وأحجامهم والمواقع التي يشغلونها، وفق ما هو متاح حالياً وعدم تركهم يسرحون ويمرحون ويسرقون ويجمعون ويهربون.

من خلال ما نشاهده يومياً من مظاهر البذخ والترف بين شرائح المجتمع لأشخاص أصبحوا يملكون الملايين، وقد خرجوا من بيوتهم قبل الأزمة وهم لا يملكون ثمن ربطة خبز، نجد أنه من الضروري أن نسرع في إصلاح ما يمكن إصلاحه، والقبض على كل من تاجر ونهب واستثمر بدماء السوريين وبالمال العام.

وسامحونا!

 

العدد 886 - 13/11/2019