تحت مُسمّى الصحة البشرية

غزل حسين المصطفى:

حين تهالكت البيوت وبدأت بعض المناطق تتّخذ شكلاً أشبه بالرّكام، وكان كلُّ شيء يهوي أمامنا بسبب الحرب، حتّى الطّير لم يسلم من ذلك، رحنا نُعوّل على الإنسان في إعادة البناء والإعمار وصنع الغد الآتي، لكن ماذا لو كان هذا الإنسان مُدمّراً أساساً، أو أنه بحاجة إلى إعادة إنعاش؟ من سيفي بالغرض؟ وهل أعطينا ذلك أهمية في عملية قراءة الواقع؟

كيف نُبرِّر اليوم إقدام طفل على الانتحار نتيجةً لتنمّرٍ أكل خلاياه حتّى قاده لربط حبل مشنقته؟

انطلاقاً من هذه التّفاصيل، استوقفنا الدّاعمة النّفسية بيان العَشّي:

*كيف يمكننا القول إن شخصاً ما يتمتّع بصحة نفسيّة جيدة؟

** الصّحة النّفسية: هي قدرة الشّخص على القيام بواجباته على أكمل وجه، مع الاستمتاع بالحياة رغم وجود الظّروف المعيشيّة القاسية. والصّحة النّفسيّة تُحدّد مقدار سوية سلوك الفرد، إذ يمكن أن نختزلها ضمن معادلة: (الصّحة النّفسيّة تتناسب طرداً مع السّلوك البشري المنتج والنابع عن دوافع إيجابية، وتتناسب عكساً مع السّلوك المُضطرب وغير المنتج والسّلبي، فكلما كان الفرد يتمتّع بصحة نفسيّة أفضل استطاع العيش بإيجابية وتكيّف أكثر).

* ترتبط فكرة الصّحة النّفسيّة بالضرورة لدى بعض الأشخاص بصورة طبيب نفسي ومريض يستلقي على كرسيٍ، يسرد روايته مع الحياة، مع أن زيارة الطّبيب النّفسي شيء مهم في بعض الأحيان بل ولازم، هل بالضرورة ارتباط الصّحة النّفسية بالطّبيب؟ وأين هو الدّاعم النّفسي من ذلك؟ وما مدى أهميته؟

** الطّبيب النّفسيّ يُقدّم أدوية للحالات النّفسيّة المُتقدمة سواء كانت ذُهانية أو عُصابية، وهنا يكون الدّاعم الّنفسيّ شريكاً في العلاج، فهو يعمل على متابعة الحالة ويساعدها في إطار التّعامل السّليم مع مشاعرها والأحداث الصعبة التي تواجهها. كما يُقدّم هذا الداعم خدمات غير مُتخصّصة هادفة إلى التّفريغ الانفعالي في المرتبة الأولى. ويمكن لأيّ شخص عمل ذلك شرط التحاقه بدورات مختصّة، بينما المعالج النّفسيّ هو شخص يحمل مؤهلات دراسة أكاديمية عُليا في مجال علم النّفس أو الإرشاد النّفسي، وقد يكون خضع لدورات علاج معرفي انفعالي وسلوكي.

بعد هذه التوضيحات، بالمختصر عمل الطبيب والداعم النفسي عمل متكامل، فمثلاً قد يكبت الشخص السوي التجارب السلبية والمشاعر السيئة، ممّا قد ينعكس على حالته النّفسية وينقلب به الأمر إلى إشكالية نفسية، وهذا لا يحصل في حال وجود داعم نفسي مساند.

إضافة إلى ذلك فالدّعم النّفسي بخدماته المُتعدّدة يساهم في التفريغ الانفعالي ومساعدة الأشخاص على تحديد المشكلة وحلّها بعيداً عن إصدار أيّ أحكام على المُسترشد، بمعنى مساعدته على تخطي ضغط المشكلة.

* في حال كان المُسترشد ليس لديه مشكلة أو ضغط، وإنما تتلخص حالته بسلوك سلبي يودّ التّخلّص منه، فما الحل؟

** هنا يكمن دور الدّاعم النّفسي، فهو  يضع خطة تُساعد على تعزيز السلوك المُراد اكتسابه، وتغيير السلوك السلبي عن طريق الكشف عن الاعتقادات الكامنة وراء السلوك وتغييره بأفكار بديلة.

* نلاحظ اليوم أن التنمّر ساق طفلاً للانتحار، كيف يُنقذ الداعم النفسي مثل هذه الحالات قبل أن تضيع فرصة تصحيح المسار؟

** قد لا يكون الانتحار هو ردّ الفعل الوحيد على التنمّر، فبعض الحالات تتحوّل إلى سلوك سلبي أو شرس، وفي مثل هذه الحالات يُساعد الداعمُ الطفلَ على تعزيز ثقته بنفسه وإكسابه سلوكيات صحيحة، أو ربما نتوجّه للتفريغ بالوعي الشعوري، للحدّ من تفاقم منعكسات الحالة.

* هل الصحة النفسية عموماً والدعم النفسي خصوصاً يجد لنفسه مكاناً في الواقع السّوري؟

** حقيقة، بعد الأزمة السورية بات للدعم النفسي صدىً مهم جداً، فقد عُنيت غالبية الجمعيات والمنظمات بذلك، وتنوعت ما بين دعم نفسي مُتخصّص أو دعم اجتماعي غير مُتخصّص، وأعداد من التحقوا بالخدمة النفسية في تزايد.

* هل يتوجه الدعم النفسي لفئة دون أخرى؟

** الدعم النفسي موجّه لكل الأشخاص، الأسوياء منهم أو من يُعانون من مشاكل معينة في حياتهم وتسبب لهم ضغطاً، ممّا سينعكس عليهم بشكل أو بآخر، لاسيما الحلول والقرارات الصادرة.

*  شكراً للتوضيح، وبرأيي، الصّحة النّفسيّة تندرج مع الصحة الجسديّة والعقليّة تحت مُسمّى صحة، لذلك يجب أن نهتم بأدق تفاصيلها ونلتفت لما يعترضنا دون إهمال حتى لا يصل بنا الحال إلى درجات سلبية متقدمة جداً.

ولنعتبر أن صحتنا النّفسيّة تقابل الروح، ألا نصل إلى مرحلة نقول فيها إن أرواحاً أُرهقت ونحتاج إلى فسحة نغسل بها عوالق الحياة، فلنعطِ للجانب النفسي إضاءة بسيطة ونقول إن الضغوط قد لوّثت فضاءنا الداخلي ويلزمنا وقفة صفاء وتفريغ.

العدد 886 - 13/11/2019