قداس الإنسانية.. ثقافة البناء للوطن

سليمان أمين:

يُذكر أن عجوزاً أعطى أولاده الثلاثة ثلاث أكياس من الذهب، ودعاهم للسفر والعودة بعد ثلاث سنوات، وعندما حان موعد العودة عاد أثنين من الأولاد بيدين فارغتين، ولم يعد الولد الثالث وبعد مضي عدة أيام جاءت رسالة إلى الأب من ابنه الذي لم يعد يدعوه فيها إلى مزرعته التي بناها وبأنه بانتظار والده ليُعلن زواجه من ابنة الملك، لعل واقعنا الاجتماعي اليوم يمثل مفردات هذه القصة الشعبية البسيطة التي تعلمناها ونحن صغار وغُيّبت عن جيل اليوم مفرادتها، فإذا عدنا لصورها لوجدنا بأن صورة الأب تتجلى بصورة القائد الحكيم الذي منح الفرصة في إثبات قدراتهم المعرفية والاستفادة من تجارب الحياة، أما صورة الابنين الكسولين الذين عاشا ملذات الحياة وصرفا مالهما دون استثماره بالعمل يمكن القول بأنهما يمثلان الحكومات التي تعيش ملذات التصريحات الخُلبية الفارغة لتشعر بنشوة الانتصار على الفراغ، والكسل الموجود في مؤسساتها وكذلك يمثلان أيضاً جزء كبير من الشعب الذي بات عمله وعالمه يتلخص بوسائل التواصل الاجتماعي، أما الابن الثالث فهو يمثل نضال الكثير من المواطنين من أجل بناء مشاريع تخدم الإنسان، وكلمة مشاريع ليست بالضرورة بناء من حجر وإسمنت، فهي تشمل كل ما يخدم الوطن والإنسان سواء حملات تطوعية أو حملات نظافة أو حتى نضال إعلامي من أجل حقوق المواطنين وحل مشاكلهم الخدمية والاجتماعية.

ما نحتاجه اليوم كمجتمع غلب عليه الكسل والثّرثرة الفارغة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن نُعمم ثقافة العمل ونتشارك في بناء كل ما يخدم المجتمع، فالكسل يجب استئصاله بشتى الوسائل فهو كالسرطان الذي يقتل الخلايا الحيّة ويؤدي لتهالك الجسد والموت، فمجتمعنا اليوم بات أشبه بالميت سريرياً، كحال المجتمعات العربية الباقية التي سلّمت عقولها وأمرها للفتاوى وغيره، السوريون لم يكونوا يوماً سوى بوصلة الشرق التي يتعلم منها العالم وخير دليل حضاراتنا التي يتسابق على سرقة ممتلكاتها وفك أسرارها المستعمر الغربي والصهيوني، لماذا لا يتم إنعاش الأدمغة الموجودة في بلدنا وإعطائها حقها في العمل والبناء؟ لماذا يتم تطفيشها وتهجيرها بشد الخناق عليها؟ لماذا لا يتعلم المسؤول من نضال المواطنين الكادحين للحصول على لقمة عيشهم وتطوير حياتهم البسيطة، ليطور المؤسسة التي يرأسها ويستثمر الطاقات الإنسانية الموجودة فيها؟

في مجتمعنا اليوم لسنا بحاجة لأبطال في كثرة الحكي ورسم مشاريعٍ في الفراغ فقد أُرهق من كثرتها، فهو بأمس الحاجة اليوم وفي المستقبل القريب لأبطال إنسانيين حقيقيين يستثمرون الفراغ ويلونونه بأبهى الألوان ليكون صورة جميلة بالشكل والمضمون تخدم المواطن وتخلد اسم صاحبها، ولعلنا اليوم أمام صورة جميلة رسمها لنا رجل مناضل من أبناء الطبقة الكادحة لم يرهق الشيب حلمه ببناء صرح طبي يخدم به منطقته، فهو تبرع بأرضه ووضع ممتلكاته بخدمة هذا الصرح، وعمل على نشر ثقافة التبرع من أجل بناء صرح يخدم الإنسان والإنسانية، لم يجمع التبرعات ليبني بها جامعاً أو فندقاً ليخلد أسمه فيها رغم أنه رجل دين بل عمل منذ سنوات على أهم مشروع يخدم صحة المواطنين، ليقدم هذا الصرح بعد انتهاء بناءه للحكومة على طبق من ذهب لتخدمه بالتجهيزات والكوادر الطبية، ليقابل بالرفض من وزير الصحة الذي أعلن خلال جلسة لمجلس الشعب، عدم استلام وزارته (مستشفى سلحب الوطني) بسبب عجزها عن تخديمه بالكادر البشري المقدر بنحو 675 موظف، وعدم قدرتها عن تأمين التجهيزات التي ستكلف مبلغ 7 مليارات ليرة سورية، علماً أن( مستشفى سلحب الوطني) بُني بمبادرة أهليّة خالصة من تقديم الأرض والعمال وتكاليف البناء كاملة، حيث تم إنجازه خلال 3 سنوات، ويضم 120 غرفة ويتسع لـ 240 سرير.

وقد أثار إعلان الصحة بعدم تسلمها المستشفى غضب الشعب السوري كثيراً، فانطلقوا بحملة دعم للمستشفى من أطباء ومحاميين ومهندسين وإعلاميين وغيرهم الكثير من شرائح المجتمع المختلفة، وكما شملت المبادرات تقديم أجهزة للمستشفى، لتتخطى هذه المبادرة الحدود ويعلن أطباء مقيمين في الخارج دعمهم للمستشفى أيضاً، وهذه المبادرة ليست سوى صورة جميلة للإنسانية التي ما زالت موجودة في ضمير كل سوري أصيل، ونحن بأمس الحاجة لها اليوم وغداً في كلّ ما يهدد حياة المواطنين السوريين ويسلبهم حقهم، مجتمعنا بأمس الحاجة لتفعيل ونشر ثقافة هذه المبادرات التي تعمل على بناء المؤسسات الخدميّة كالمدارس ودور العلم والمشافي وغيرها، ولم يكن المشفى المشروع الوحيد الذي انطلق بمبادرات أهلية خارجة عن سياسة الحكومة بل باتت مدينة دير عطية السورية تنعم بالكهرباء وخدمات الواي فاي وشحن الدراجات الكهربائية وغيرها في الشوارع، حيث قام أحد أبنائها المغتربين بمشروع الطاقة البديلة الذي خدّم مدينته لتكون الأولى في سوريا من نواحي الخدمات الحديثة.

أخيراً، أقدس ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه وأرضه العمل البناء والإنسانية التي تتجلى بمجموعة قيم، لنعد لإرثنا السوري السّامي ونتعلم مفردات المحبة والعمل منه، فأجدادنا مازالت حضاراتهم تشهد على عملهم وقيمهم، فأجمل وأسمى قداس للإنسان مكتوب بعرق الجبين وبمفردات العقل والنفس الإنسانية.

العدد 882 - 16/10/2019