دروس خصوصية

محمود هلال:

بعد مضي شهر على بدء العام الدراسي، نلاحظ حمّى الدروس الخصوصية بدأت معه، فقد أصبحت هذه الظاهرة حقيقة مرة في كل عام وواقعاً مكروهاً مفروضاً على المجتمع، ومصدر قلق للطلبة وللأهل وكذلك للمسؤولين في التربية والتعليم. وأصبحت هذه الظاهرة السلبية تزداد على نحو ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بالرغم من محاولات محاربتها وإيجاد الحلول للقضاء عليها، لكنها بقيت سوقاً رائجة ورابحة، لاسيما أن زبنها من كل الفئات العمرية ومن مختلف المراحل الدراسية.

ظاهرة انتشار الدروس الخصوصية لم تبقّ حصراً على التعليم في المدارس، بل امتدت إلى مختلف نواحي الحياة الأخرى، فأصبحنا نجد إعلانات عن دروس خاصة في التجميل والمكياج وفي الطبخ والنفخ… إلخ، وامتدت الظاهرة لتصل إلى مدارس تعليم قيادة السيارات. إحداهن قالت: إنها عندما سجلت في مدرسة خاصة لتعليم قيادة السيارات من أجل الحصول على إجازة سوق خصوصية، عرض عليها أحد المدربين هناك دروساً خصوصية خارج أوقات الدوام الرسمي للمدرسة، ومسك على شاربيه، بأن تكون الرخصة في جيبها بعد الامتحان مباشرة!

طبعاً يبقى الموضوع الأهم هو موضوع الدروس الخصوصية للتلاميذ، إذ أصبحت هذه الظاهرة ملازمة للتعليم عندنا في كل مراحله، منذ المرحلة الابتدائية حتى الجامعة، كما أنها في اتساع من عام إلى آخر، وتحولت عند بعض الناس إلى شكل من أشكال (البريستيج)، حتى ولو كان التلميذ غير محتاج إليها. في الأسبوع الماضي سمعت حديثاً دار بين إحدى الأمهات ومعلمة ابنها، ورغم تأكيد المعلمة لها أن ابنها لا يحتاج إلى دروس خصوصية وأن وضعه ممتاز، كانت الأم تصر عليها بأن تعطيه دروساً خصوصية. وعلى النقيض سمعت حديثاً آخر: والد إحدى التلميذات يشكو للمعلم بأن ابنته لا تستوعب الدروس بالطريقة التي يشرح فيها المدرس، فكان الجواب هو أن تلتحق بالدروة التي تقيمها المدرسة، أو أن تفتش عن مدرس لإعطائها دروساً خصوصية بالمادة التي لا تفهمها من المدرس.

إذاً أصبحت وصفة الدروس الخصوصية جاهزة مثل وصفة الطبيب في المشفى الحكومي: اذهب إلى عيادتي، وكل شيء سيكون عال العال!

والسؤال: لماذا كل شيء سيكون على ما يرام في العيادة الخاصة؟ أو في الدرس الخصوصي؟ ولماذا تتفتح قريحة بعض المدرسين ويجدون بالعطاء خارج المدرسة، ولا يفهم عليهم الطلاب داخلها؟

قد تكون هناك بعض المبررات الموضوعية للمدرسين، مثل العدد الكبير للتلاميذ في الشعبة الواحدة، مما يسبب الفوضى وضعف التركيز والانتباه، وكذلك مدة الحصة الدرسية، وصعوبة المناهج، وفي النهاية المعدلات العالية للقبول الجامعي وغيرها… وكل ذلك يساعد على الاتجاه نحو الدروس الخصوصية. لكن يبقى المطلب الأساسي هو إيجاد نظام تعليمي متطور لا يحتاج فيه التلميذ أو الطالب إلى دروس خاصة، وذلك من خلال زيادة عدد الشعب الصفية، وتأمين المدرسين الأكفاء في كل مادة، إضافة إلى إقامة دورات تقوية ومساعدة للطلاب ضمن المدارس، وبذلك تلغى هذه الظاهرة نهائياً.

 

العدد 882 - 16/10/2019