سيكولوجيا الصراع في الفضاء السوسيولوجي

سامر منصور:

العنف يتصاعد في العالم الطبيعي (عالم الحيوان) حين تندر الموارد الغذائية، فالعنف هو أداة للبقاء في صراع الحياة خلافاً لنا، ذلك أنه كلما تزايدت علومنا وتنامت أدوات حيازتنا وتسخيرنا لخيرات الكوكب، تضاعفت أدوات قتلنا وفتكنا بعضنا ببعض.

العنف لدى وحوش الغابات من ضباع وذئاب وغيرها مُقنّن، يرتبط بصراع فرد مع فرد في مواسم التزاوج لتحديد من هو الأصح والأقوى والأجدر بنشر مورّثاته في العشيرة.

ويظهر العنف أيضاً حين قيام عشيرة ذئاب، على سبيل المثال، بالصيد في مناطق الصيد الخاصة بعشيرة ذئاب أخرى، ذلك أنه لكل عشيرة نطاق صيد خاص بها، ورغم وجود الأنياب والمخالب والغريزة الدموية وضآلة العقول، إلاّ أنه من النادر جداً جداً أن يتسبّب الصراع بوفاة واحد من المتصارعين.ولا تميل الحيوانات المُفترسة، رغم أن أجسادها تفرز هرمونات تجعلها أكثر عدوانية من البشر، لاستخدام العنف إلاّ للضرورة، كأن يشعر السبع بالجوع أو التهديد الذي لا مناص من مواجهته مثلاً، أما في حال كان السبع غير جائع فبإمكان الغزلان وغيرها أن تسير قربه دون أن يؤذيها.

وإذا نظرنا إلى الحيوانات التي يُسكِنها الإنسان في منزله أو يوفّر لها احتياجاتها كافة، فسنجدها نبذت العنف رغم اكتظاظ أفواه بعضها بالأنياب كالأسود والنمور، إلا أنها تلعب وكأنها هررة وديعة في حديقة الحيوان والسيرك مثلاً.

ونرى هرّاً يُلاعب فأراً أبيض منزلياً، أو يُلاعب عصفوراً وكذلك كلباً يلاعب هرّاً…الخ.

بينما لدى الإنسان، فإن المجازر الجماعية وفنون التعذيب والتمثيل في الجثث وسلب حق حرية الآخر المُختلف عبر تكفيره أو تخوينه… الخ، وجعل أسباب السلم والتعايش كالأديان والأوطان هي ذاتها أسباب الحروب والفتك.

كيف تكون حروب الإبادة وسياسة الأرض المحروقة و(بدنا نزرعها بطاطا) وتطوير قدرات الفتك لدى كائنات من خارج جنسنا لتتمكّن من أن تكون أشدُّ فتكاً بنا، كتطوير الأسلحة الفيروسية والجرثومية مثل الجمرة الخبيثة وغيرها، وبروز السادية والسيكوباتية والبارانويا؟، كيف تكون كل هذه أعمالاً إنسانية لا يشترك مع الإنسان فيها أيُّ كائن آخر، والسؤال كيف أصبح الإنسان أكثر الكائنات تخريباً وبطشاً وعبثيةً ودموية رغم أنه لم يُخلق بأنياب لسحق الحناجر والمخالب أو براثن لاستنزاف الدماء؟! وكيف أصبحت هذه المسائل مبعث مجد واعتزاز له ونمط حياة ومهنة وباب رزق للبعض؟!

الإنسان وحده الكائن الذي لا يشبع، قد يحوز الحياة الطبيعية مشاعاً، وكل الكائنات التي تُمارس الحياة الاجتماعية تعيش بحرية ونصيبها من كل شيء بحسب كفاءتها. أمّا الإنسان فيتمتّع بالعقل وهو يستبق الأحداث عبر الخيال طامحاً في أن يُسخّر الظروف والأشياء لصالحه.

باعتقادي إن انحراف الجنس البشري وشذوذه هو بسبب الطبقية وتناميها، فعندما ظهرت الطبقة المُتنفّذة المُطاعة سعت إلى تحقيق مكتسبات وحيازة أملاك تخوّلها أن تكون في مأمن من الجوع والعوز أيّاً كانت ظروف مجتمعها، وأصبح المُعادل الموضوعي للكسب بالنسبة لها خارج مبادئ مثل (ازرع تأكل). وهنا برزت ذهنية مبنية على الصراع الطبقي حلّت محلّ الصراع من أجل تفوق الإنسان وتسخيره للموارد والموجودات لصالح نهضته وتقدمه، واتخذت الطبقية مع الزمن طابعاً أممياً، فما يسمى بالدول العظمى تستغل ما يسمى بالدول المتخلفة والنامية.

ورغم أن العلم تطور وكل شيء أضحى في المتناول وبالإمكان تحصيل كل موارد الغذاء المتنوعة جداً وسواها من أدوات بناء مساكن وأدوات رعاية صحية وغيرها، إلاّ أن الإنسان هو أكثر كائن تتمُّ إخافته، وهو من جهة أخرى حريص على صورته ومكانته الاجتماعية، إذ تمتزج الإيديولوجيا بما هو احتياجات واقعية، لذلك يقبل بالقليل ممّا سبق ذكره، ويُقدّم الامتيازات للطبقة التي تقوده بغية الخلاص والنجاة!!

ولطالما وجدت الطبقة الحاكمة حافزاً لصناعة الإيديولوجيا، وفي المُحصّلة إنتاج (الفكرة الخرافة والوعي الزائف) في عصور الجهالة وما قبل التاريخ كان أسهل من العمل. وإن كان العيش ضمن جماعة يضمن سبلاً أسهل لتحصيل الغذاء والأمن وسواه فإن استغلال هذه الجماعة أضحى أجدى. ولمّا شكّلت هذه الطبقة عبئاً على المجتمعات شرع البعض يتركون مجتمعاتهم إلى أخرى ليس فيها هذه الحالة الطفيلية والعلقية، أو نسبتها أقل هناك، وهنا باعتقادي برزت ضرورة جلب الحافز والعقاب من خارج الواقع، وانبثق هنا التكامل في النسج الإيديولوجي وبناء منظومات إيديولوجية عبر ربط الخرافات وحبك ونسج العوالم اللابشرية والتي كُرِّست على أنها ذات سلطة غير قابلة للرد.

الإله أبولو شخصياً بنى أسوار طروادة ويتعهدها، بحمايته لذلك شرف لك أن تكون طروادياً، وهكذا بدأت البلاد تستمد مجداً وعظمة وهميين. وكل الغاية منح العامة بديلاً عن تضحياتهم وكدحهم وما يؤخذ منهم، بديلاً هو اللاشيء، وبالتزامن مع هذا جرى تكريس العنصرية والشوفينية، لإلغاء تفعيل بعض آليات عمل العقل إزاء المجتمعات الأخرى، كالمقاربة والمقارنة والقياس والاستدلال والتفاضل… الخ، فأنت أعظم وذلك ليس بناء على عوامل موضوعية، بل أنت أعظم فقط لأنك أبيض البشرة وهم بشرتهم سوداء، أو فقط لأنك روماني أو يهودي…الخ، وهم ليسوا كذلك. ولمّا تراجع الإيمان بالخرافات والأساطير، عمد صُنّاع الإيديولوجيا من الطبقات المُتنفّذة إلى استجلاب المجد والاعتزاز من التاريخ الحضاري الواقعي بشكل مُكثّف، ليغطوا به مذلات حاضر شعوبهم التي تكدح وتعمل ثم تجد كفاف يومها فقط.

باسم الآلهة المقدسة والأديان قامت معظم الصراعات، قديما ثم حلت محلّها الأوطان المقدسة، ولكن بقي مبدأ الفصام عن الواقع وشيطنة الآخر وهدر دماء الناس بالجملة، واستمر الصراع باسم الوطن المقدس، واليوم السياسيون هم ورثة الكهنة وهم صُنّاع الإيديولوجيا الذين يتاجرون بالآمال ويخربون الحاضر باسم (المستقبل الأفضل).

ولعلّ خير ما أختتم به مقالي هو قول فيكتور هوغو: (السلم فضيلة المدينة والحرب رذيلتها).

 

العدد 882 - 16/10/2019