قروض تحتاج إلى إعادة توجيه

ولاء العنيد:

مع اقتراب نهاية الأزمة السورية، والتفاؤل الواضح بعودة الأمور إلى نصابها، وتزامن ذلك مع عودة المواطنين إلى بيوتهم ومحاولة ترميمها قدر الإمكان، ظهرت شريحة كبيرة من المواطنين لا تمتلك سوى قوت يومها، وتعاني في تأمين مصاريف الأساسية، مع انخفاض أجورها الحقيقية، والغلاء الذي طال كل شيء.

يدور الحديث مؤخراً عن قرض المنتجات الاستهلاكية، الذي يهدف إلى تمويل احتياجات المواطنين من أدوات كهربائية ومنتجات إلكترونية وهواتف محمولة ومفروشات وطاقة شمسية وغيرها، وذلك ضمن شروط مدروسة على حد تعبيرهم.

ويعرّف القرض الاستهلاكي على أنه قرض شخصي للعائلات من الفئة العاملة، لتي لا تتوفر لديها سبل الوصول إلى القروض البنكية. والغاية من هذا القرض هي مساعدتهم على بناء أصولهم المنزلية ودفع نفقات الخدمات التعليمية والمنزلية، وذلك في الوقت الذي يعمل فيه أيضاً على مساعدة العملاء من ذوي الدخل المنخفض على استعادة أصولهم المنزلية التي باعوها من أجل التكيف مع البطالة، أو اعتلال الصحة أو نفقات اجتماعية تدفع لمرة واحدة كالزواج ومصاريف الجنازة. ويبلغ سقف القرض ثلاثة أضعاف الراتب الشهري للمواطن.

نعم، فقط ثلاثة أضعاف الراتب الشهري عليها أن تلبي الاحتياجات الشخصية الاستهلاكية، وهذا أمر غير فعال في فترة تخطّى فيها سعر الصرف حدوده المعتادة دون أي تدخّل من البنك المركزي لمحاولة خفضه والسيطرة عليه. ذلك أن الراتب أصلاً لا يسد الحاجة، وما يعتبر قرضاً شخصياً سقفه ثلاثة أضعاف الراتب، وبحسب متوسط الرواتب الذي يتراوح بين 50 و ٦٠ ألفاً وقد يصل إلى ١٠٠ألف ليرة، ستبلغ قيمة القرض في سقفها الأعلى إلى ٣٠٠ ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يكفي في أحسن الأحوال لسداد ثمن براد، أو المساهمة في دهان منزل صغير جداً قيد الترميم. فهذا القرض أشبه بجرعة صغيرة اتقاء للفقر المدقع، وليس الهدف منه حل مشكلة فعلية. فبدلاً من أن نركز على القروض الاستهلاكية التي لن تأتي بثمار في المستقبل، علينا أن نركز على القروض الإنتاجية التي تتيح للمنتج بدء عمله من جديد، بعد التخريب والخسائر التي تكبدها خلال سنوات الجمر المؤلمة، مما يخلق فرص عمل جديدة لآلاف المتعطلين عن العمال وخاصة بين الشباب، ويرفع من نسبة الاستهلاك، فتكتمل بعدئذٍ الدورة الاقتصادية.

كفانا مهادنة لتجار الأزمات والحيتان العملاقة الذين التهموا الأسواق وتركوا باقي المواطنين في صراع دائم على الفتات، فالمواطن السوري لا يملك سوى أن يدور في حلقة مفرغة من دخل قليل وأسعار غالية وتكاليف مرتفعة وديون مستحقة تزيد من صعوبة الأيام عليه، فدخله القليل لا ينقذه سوى لأيام قليلة من بداية الشهر الجديد، فيلجأ إلى عمل ثانٍ وثالث في محاولة سداد قرض ما، أو إعادة دين استدانة من معارفه وأصدقائه.

ما نحتاج إليه حقاً هو سيطرة حكومية على الأسواق، ومكافحة جادّة للفساد، وضبط تجار الأزمة، وإلا فسيبقى المواطن السوري أسيراً للديون والقروض لفترة طويلة، ويشقّ عليه حينذاك أن يخرج من بوتقة الاستهلاك وأن ينضم إلى عجلة الإنتاج التي يجب توجيهها للصناعات الزراعية والغذائية ودعم الحرف التقليدية والصناعات اليدوية وتطويرها، واستغلال تميّز بلادنا بها، كما نأمل ان تكون باقة القروض المقدمة تراعي ظروف الناس، لا أن يكون الهمّ كم نسبة الفائدة العائدة على البنوك والمصارف، وهذا أمر نتمنى أن يؤخذ بعين الاعتبار، ليس فقط في القروض الاستهلاكية، بل أيضاً في القروض التي غايتها الترميم أو التعليم وصولاً إلى القروض المهنية، ونتمنى أن تصب كلّها فعلياً في مصلحة المواطن أولاً.

العدد 922 - 12/08/2020