من يعوّض المزارعين خساراتهم

انقضى عام 2018 وكانت سنته 24 شهراً، كما يقول الفلاحون في سني الخسائر والتعتير، فقد مضى شهر آذار عام 2018 وقسم من شهري شباط ونيسان دون أمطار وهما الأشهر الأهم مطرياً بالنسبة للمزروعات الشتوية (قمح، شعير، بصل، حبوب مختلفة) إضافة إلى النباتات العطرية (كمون- يانسون- حبة البركة) وغيرها، وأتت الأمطار في شهر أيار فكانت دماراً على كل المزروعات الشتوية. أتحدث هنا عن محافظة حماة وخصيصاً منطقة الغاب، فالقمح أصيب بتفحّم الساق والأوراق والسنابل، وبالأساس لم تتكون في السنابل حبات كثيرة من القمح، فمثلاً في السنوات الخصاب كانت تعد السنبلة بين خمسين ومئة حبة، أما هذا العام فكانت تعد أقل من عشرين حبة لذلك كان الإنتاج متدنياً لدرجة أن غالبية المزارعين كانت خسارتهم كبيرة، إذ أن كلفة زراعة دونم القمح تتجاوز 40 ألف ل.س فالدونم إذا أنتج 200 كغ بسعر 150 ليرة تكون إنتاجيته 30000 ل.س بخسارة 10 آلاف ل.س والذي أنتج 400 كغ تكون إنتاجيته 60000 ل.س بربح 20 ألف ل.س فهذا المبلغ أقل من ضمان الدونم ب5 آلاف ليرة، فوسطي الإنتاج كان 300 كغ للدونم ووسطي السعر 150 ل.س، صحيح أن الدولة سعّرت كيلو القمح بـ175 ل.س ولكن لجان الفرز والتسعير، ومعها حق، كانت تعطي درجات متدنية للقمح لأنه بالأساس الدولة سلمت للمزارعين قمحاً غير مغربل ويحوي كمية لا بأس بها من الشعير والشوفان وغيرها من البذور المضرة بالقمح، وحال الشعير كان كما حال القمح والنباتات العطرية أيضاً: الإنتاج ضعيف، والأسعار أضعف والطامة الكبرى في البصل والقطن، فالبصل زرعه الفلاحون بذاراً أو شكاً، فالبذار (البادرون) أعطي قزحاً والقزح أعطي قزحاً، فالظروف المناخية لم تسمح للقزح أن يكبر وأصيب البصل بالعديد من الأمراض ولم يستجيب للمكافحة، فكانت خسائر الفلاحين بمئات الملايين، ذلك أن كلفة دونم البصل لا تقل عن 150 ألف ل.س فتصوري _يا حكومة_ أن الفلاح لم يقلع البصل، والذي غامر وقلع بصله زادت خسائره أكثر بسبب ارتفاع أجور العمال وعدم استلام أسواق الهال لهذا البصل لأن حبته صغيرة وأكثره مهترئ من داخله.

استبشرنا خيراً عندما أبلغتنا الوحدات الإشادية والجمعيات التعاونية والفلاحية أن الدولة والحكومة تريد أن تعوض خسارة البصل على المزارعين علماً أننا اعتبرنا ذلك مزحة(بايخة) وكان ذلك البصل ثلاثة أشكال: (قزحة لإنتاج البصل العادي- نصبة لإنتاج بصل المائدة الأخضر- بصل عادي للاستهلاك المنزلي). الغريب في الأمر هي العلاقة الغامضة بين الدولة وأسواق الهال في ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية غير الاستراتيجية وتدنيها، مثلاً منذ سنتين كان التجار يأخذون البصل من الحقول والنصبة بأسعار تتراوح بين 140 و160 ل.س للبصل، وبين 60 و200 ل.س للنصبة. أما هذا العام والعام الماضي فكان الفلاح يدلل بما لديه من منتوج بسعر لم يزد عن 70 ل.س للبصل، وسعر أقل بكثير للنصبة. إذاً مرت سنتان متتاليتان 2017 و2018 والفلاح يتحمل خسائر كبيرة في زراعة البصل، فهل تنظر الحكومة بعين الشفقة إلى هؤلاء الذين انخفض مستوى سلتهم الغذائية أكثر من عشرة أضعاف؟!

أما القطن فحدث ولا حرج، فطول شجرة القطن وصل إلى حدود 200 سم تحمل بين 3-5 زهرات، في الوقت الذي كان وسطي طول شتلة القطن سابقاً بين 50-100 سم تحمل ين 10- 50 زهرة، وهنا أيضاً كانت الخسائر كبيرة، فكان إنتاج الدونم يتراوح بين 50 و200 كغ وكلفة دونم القطن مثل كلفة دونم البصل. والزراعات الأخرى التي أخذت مكان القطن والقمح هي الفستق والدخان، وهذان المحصولان لم يكونا أكثر ربحية من غيرهما من المحاصيل التي أتينا على ذكرها، والنتيجة إنتاج ضعيف وأسعار قليلة وخسائر كبيرة، والمطلوب تشكيل لجان خبراء لدراسة أسباب تدني الإنتاجية لهذا العام، فالفلاحون وهم الأخبر بأحوال الطقس المناسب لزراعة أي محصول كانوا عاجزين عن معرفة الأسباب وأسباب تدني أسعار المحاصيل الزراعية، والمطلوب من الدولة أن تتحمل مسؤولية البذار العاطل أو المليء بالبذور الضارة لا أن تحمّله للفلاح المعتّر، والمطلوب من الحكومة أن تتخلى عن كونها تعمل كلجنة إدارية لأعمال قوى رأس المال والمافيات الاقتصادية. ونستعيد إلى ذاكرتها ما قاله السيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد في خطابه بمجلس الشعب عام 2007: (ينبغي علينا في المرحلة المقبلة إعطاء الأولوية في توجهاتنا ومحاور عملنا إلى الشرائح الأوسع من جماهيرنا التي تشكل العماد الأساسي لمجتمعنا والسند الرئيسي في صمودنا كالعمال والفلاحين وصغار الكسبة الذين يعتبر تحسين أوضاعهم والحفاظ على مصالحهم وتعزيز مكتسباتهم الأساس الحقيقي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بلدنا).

فهل تتذكر حكومتنا ما قاله السيد الرئيس منذ أحد عشر عاماً وتنفذ ما جاء في متن هذا الخطاب، لا أن تتهرب من القيام بمسؤولياتها كما تهرّب السيد وزير المالية من الإجابة عن سؤال المذيع في قناة الميادين، عندما سأله كيف تحلون معادلة الفروق بين وسطي الدخل (35 ألف ل.س) ووسطي الصرف البالغ 275 ألف ل.س لأسرة مؤلفة من خمسة أنفس؟

العدد 917 - 1/07/2020