مغادرة (عاشق الحروب)!

د. صياح عزام:

أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً على إقالة مستشاره لشؤون الأمن القومي (جون بولتون) من منصبه، فقد أبلغه من خلال تغريدة له أن خدماته للولايات المتحدة لم تعد ضرورية. والجدير بالذكر أن(بولتون) المُقال هو ثالث مستشار لشؤون الأمن القومي لترامب منذ توليه الرئاسة.

وللعلم فإن ترامب كان معجباً ببولتون بسبب التطرف الذي يروق للرئيس، وبالتالي أراد استخدامه بمثابة (فزاعة) لخصومه، وبالمقابل وجد بولتون في الرئيس ترامب ضالته المنشودة، والرجل الذي يمكن أن يتعاطى إيجابياً مع أطروحاته وآرائه المتطرفة.

لقد اعترف ترامب في أحد أقواله بأنه لو استمع إلى جون بولتون لكانت الولايات المتحدة تخوض اليوم أربع حروب، كذلك لم تقتصر خلافات بولتون على خلافه مع الرئيس، بل امتدت لتشمل مسؤولين أمريكيين كباراً مثل وزير الخارجية (بومبيو)، وآخرين في إدارة البيت الأبيض، ولدرجة أن أحد موظفي البيت الأبيض وصفه بأنه كان بمثابة (قنبلة منزوعة الفتيل) بإمكانها الانفجار في أي وقت، لأنه لاعب مارق لا يلعب وفق القواعد والأصول).

أمر آخر مهم يتعلق ببولتون وهو أنه كان من أبرز مؤيدي الغزو الأمريكي للعراق ومازال يدافع عن ذلك الغزو ويصفه بالمبرَّر، في الوقت الذي اغترف فيه ترامب بأن غزو العراق كان كارثياً، إذ أسفر عن مقتل 4568 جندياً أمريكياً وجرح أكثر من 32 ألفاً، مؤكداً أن تكرار هذا الخطأ في إيران ستكون تداعياته أكثر كارثية، ووفقاً للأنباء والمعلومات فإن أسباب الخلاف بين الاثنين: ترامب وبولتون، متعددة ومنها:

– دعوة بولتون الملحة إلى قصف إيران وشن حرب أمريكية عسكرية مباشرة عليها، بهدف تدميرها وتغيير النظام الشرعي القائم فيها بما يرضي إسرائيل.

– دعوته إلى تغيير النظام بالقوة في كوريا الديمقراطية وفنزويلا وكوبا وسورية.

– وكان الاختلاف الأخير بين الرجلين حول أفغانستان، فقد حصل بينهما نقاش حاد عارض فيه بولتون خطة ترامب لاستضافة زعماء من طالبان في كامب ديفيد وإجراء مباحثات تمهد لسحب قسم من القوات الأمريكية من أفغانستان.

مساعي بولتون الدائمة للإبقاء على التوتر في العلاقات الأمريكية – الروسية من خلال تركيزه على التحريض على روسيا وكيل الاتهامات الكاذبة ضدها، ما أدى إلى وصول هذه العلاقات إلى أسوأ حالاتها كما وصفها مسؤولون روس، رغم ما قدمته روسيا من تنازلات ومبادرات لتحسينها والارتقاء بها نحو الأفضل.

لا شك بأن الإقالة لعاشق الحروب (بولتون) لم تفاجئ أحداً خاصة من المتابعين للسياسة الأمريكية الخارجية وحتى الداخلية منها، ذلك أن بولتون اشتد خلافه مع الرئيس ترامب بعد مساعيه لإفشال الحوار مع كوريا الديمقراطية، ويقال إن بولتون حاول ممارسة الضغوط على ترامب مؤخراً لانتزاع اعتراف منه بدعم ضم نتنياهو لغور الأردن إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، ليأتي ذلك دعماً لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 17 أيلول 2019.

بطبيعة الحال إن مغادرة عاشق الحروب بولتون لمثل هذا المنصب الهام في الإدارة الأمريكية أمر غير مأسوف عليه، ولكن ما يجب أخذه بالحسبان أن السياسة الخارجية الأمريكية لها ثوابتها، ولا تتغير بتغير بولتون أو غيره، ولكن يمكن كما يرجح مراقبون سياسيون أن تؤدي هذه الإقالة إلى مراجعة أمريكية لمختلف الملفات وخاصة منها ملفات السياسة الخارجية، لاسيما أن الرئيس ترامب مقبل على انتخابات رئاسية يطمح من خلالها إلى الفوز بولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض.

ومن المتوقع، حسب الأبناء المسربة، أن يعين ترامب في هذا المنصب دوغلاس فالغريغور، الخبير في قضايا الأمن، خاصة أنه يحمل شهادة دكتوراه، وله العديد من المؤلفات حول الأمن القومي الأمريكي، إلى جانب أنه من المقربين من ترامب، ومن تفكيره وآرائه.

نختم بالقول إن إقالة جون بولتون لجهة توقيتها وتأثيراتها في الوقت الحالي وفي المستقبل حدث جدير بالتوقف عنده، لأنه يحمل رسائل للداخل والخارج كما يتوقع محللون ومراقبون سياسيون.

العدد 886 - 13/11/2019