أين نحن من اليوم العالمي لمحو الأميّة؟

إيناس ونوس:

لم يعد مفهوم الأميّة مقتصراً على عدم قدرة الإنسان على القراءة والكتابة بحدودها الدُّنيا، بل اتسع اليوم ليشمل عدم الإلمام بالحقوق والواجبات، وعدم القدرة على فهم مجريات الأمور في حياتنا اليومية، ولاسيما في الأمور المصيرية والأساسية.

فجميع البشر قادرون على العيش ومتابعة حياتهم اليومية بشكلٍ بديهي، لكن كم منهم من يُدرك مسؤولياته التي تقع على عاتقه؟ كم منهم من يعرف ما له من حقوقٍ وما عليه من واجبات؟ كم منهم من يعرف أنّ الحصول على شهادةٍ لا يعني بالضَّرورة امتلاك الوعي اللازم للذَّات والمجتمع؟

وبالرَّغم من كل هذا، فإننا في بلاد لا تزال تُعاني من تفشي الأميّة بمعناها الضَّيق، رغم كل الجهود التي تُبذَل للحدِّ من هذه الظَّاهرة، خصوصاً في وزارة التَّربية التي تعاونت في سنوات الحرب، وحتى اليوم، مع المنظَّمات الدَّولية للعمل على إعادة جميع الأطفال الذين منعتهم الحرب من متابعة دراستهم إلى مقاعد الدِّراسة مُجدَّداً، كي يتمَّ تلافي النَّقص الحاصل وتعويض الخسارة الجسيمة التي لحقت بهم رجال ونساء المستقبل، إلاّ أن السُّبل المُعتمدة وآليات العمل لم تعطِ النَّتائج المرجوّة منها، لأننا لا نزال نُعايش أطفالاً في المدارس غير قادرين على معرفة أبسط مبادئ القراءة أو الكتابة، ومن أهم تلك الآليات التي أدَّت للفشل الذَّريع والذي سيتجلَّى واضحاً في الغد القريب، اعتماد سياسة فرض النَّجاح مهما كان حال الطَّالب/ة، الذي ما عليه/ا إلاّ الحضور للمدرسة سواء اجتهد/ت أم لا، وما على الكادر التَّدريسي والإداري إلاّ منحه/ا درجات النَّجاح، وبالتالي الانتقال للصُّفوف الأعلى، ليصل الطالب/ة  إلى عمر شهادة التَّعليم الأساسي، فيخضع لها وليتحمّل هو/هي مسؤولية نفسه/ا بنفسه/ا! ما شكَّل عبئاً إضافياً على التَّعليم والمدارس والكوادر فوق العبء الأساسي المنوط بهم، لأن المجتمع برمَّته بات يُدرك أن هذا الوجود المباشر في المدارس لا يعني بالضَّرورة الفائدة المرجوّة منه، ما حوَّل المدرسة إلى سجنٍ أو، بأبسط صورة، إلى مكانٍ يجمع أولئك الأطفال المُتسرِّبين بعضاً من الوقت خلال اليوم لا أكثر، ولنا أن نتخيَّل العديد من المظاهر الاجتماعية والتَّربوية والنفسية التي نُعايشها يومياً والمتفشية بشكلٍ لم يعد مقبولاً.

فكيف لهؤلاء الأشخاص الذين لم يفهموا من وجودهم على مقاعد الدِّراسة سوى أنها احتجازٌ لحريتهم أن يعوا ويدركوا ما عليهم من واجباتٍ أو ما لهم من حقوق؟ كيف لهم أن يكونوا ذات يومٍ عناصر فعَّالة في مجتمعٍ بات أشبه بالأميّ بكل المقاييس؟

تحتفل المنابر الدَّولية باليوم العالمي لمحو الأميّة في بلادٍ يحق لها أن تحتفل، لأنها عملت أولاً وقبل كل شيءٍ على الاهتمام بالتَّعليم ومتابعته واستخلاص المهم والمفيد منه ما جعلها تتبوَّأ مواقع القيادة على مستوى العالم، بينما في باقي الدول التي يقوم التَّعليم فيها على سياسة الحشو غير المُبرر، وعلى جعل المؤسَّسات التعليمية مجالاً للمزيد من النَّهب والسَّرقة، ومن ثم دفع جيل الشَّباب للهجرة بحثاً عن مستقبلهم في الخارج بدلاً من أن يكونوا عماد بلادهم في ذاك المستقبل، لا أعتقد أنه يحقُّ لنا في هذه الدُّول الاحتفال أو حتى مجرَّد ذكر مثل هذه المناسبة.

لقد آن الأوان لوقف التخريب المُمنهج والمُتعمَّد؟ فلكل الأطفال الحق في أن يكونوا بشراً لهم حقوقٌ جمّةٌ يجب ضمان تمتعهم بها؟

العدد 882 - 16/10/2019