الاستراتيجية السياسية والعسكرية للصين

د. صياح عزام:

بات من الواضح أن الصين أصبحت قادرة على تحريك المياه الراكدة على مستوى العلاقات الدولية وبشكل لافت للنظر، إضافة إلى النشاط الصيني الدبلوماسي للدفاع عن المصالح الصينية في العالم، خاصة مع إطلاق الصين لمشروع طريق الحرير الجديد، وقد أفصحت عن رغبة في تطوير منظومتها الدفاعية، وتشكيل جيش متقدم ومتطور لمواجهة محاولات واشنطن تقويض الاستقرار في محيطها الإقليمي.

لقد تضمن (الكتاب الأبيض) المتعلق بالمسائل الدفاعية للصين معلومات توضيحية مهمة في هذا السياق، لاسيما ما يخص الإعلان عن توجهات (الجيش الشعبي للتحرير) الذي يقود مسار التحولات في الصين منذ الاستقلال، وهو أضخم جيش في العالم، بتعداد يفوق مليوني مقاتل. ويؤكد هذا الكتاب أن المنافسة على المستوى الدولي تتضاعف، ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال المساعي الأمريكية باتجاه إعادة رسم الاستراتيجية الدفاعية والأمنية التي تعتبر كلاً من روسيا والصين أعداء للولايات المتحدة. ويشير (الكتاب الأبيض) أيضاً إلى أن واشنطن أشعلت نار المنافسة وعمدت إلى تضخيمها بين الدول الكبرى في العالم، وأعطتها طابعاً عدوانياً في كثير من الأحيان، ورفعت حجم إنفاقها العسكري، ولم تكتف بذلك، بل هي تبحث الآن في المجال النووي والفضاء والمعلوماتية، وبضمن ذلك: الذكاء الاصطناعي ومنظومة الدفاع الصاروخي، الأمر الذي دفعها إلى إلغاء معاهدة الحد من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، بذريعة عدم التزام روسيا ببنودها، علماً بأن هذه الذريعة غير صحيحة، فقد جاء الإلغاء للمعاهدة المذكورة في إطار سياسة الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

لقد جاء إصدار (الكتاب الأبيض) الذي تضمن التقرير الدفاعي الصيني في مرحلة ازدياد التوتر بين واشنطن وبكين عسكرياً بالقرن من المياه الصينية الإقليمية، وترافق ذلك مع توتر اقتصادي على مستوى المواجهة التجارية المتصاعدة والتي بدأتها واشنطن من خلال حرب تجارية شنتها على الصين منذ عام 2018. ويرى مراقبون ومحللون سياسيون وعسكريون أن الصين تطمح إلى تطوير قدراتها العسكرية خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وقد دفعتها الحرب التجارية الأمريكية ضدها إلى العمل بنشاط لتحقيق استقلالية أكبر على المستوى التكنولوجي، من خلال الاعتماد على الطاقات الذاتية في صناعة وتطوير المعدات والبرامج التقنية التي يمكن أن يستفيد منها الجيش الصيني.

والجدير بالذكر أن سياسة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة ضد الصين كقوة صاعدة، باتت تتحكم في سياق العلاقات الدولية الراهنة، خاصة أن الصين عمدت لمواجهة هذه السياسة الأمريكية العدائية إلى زيادة ميزانيتها العسكرية، ووصلت إلى ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم، وهي ماضية بدأب ونشاط لتقليص الفجوة مع أمريكا، وقد حققت في هذا المجال إنجازات كبيرة لا يستطيع أحد تجاهلها أو القفز من فوقها.

والجميع يعرف أن الاستراتيجية العسكرية الصينية تقوم على عقيدة عسكرية غير توسعية، هدفها الدفاع عن الصين ضد أي عدوان خارجي، ثم السعي لتوحيد التراب الصيني من خلال إعادة (تايوان) إلى الوطن الأم بالوسائل السلمية. وهذه الاستراتيجية الصينية تختلف كلياً مع الاستراتيجية الأمريكية الساعية إلى السيطرة على مقدرات وثروات الشعوب والدول.

ويبدو واضحاً الآن أن الأمر الأهم عند الصين يبقى هو المحافظة على تقدمها الاقتصادي المتنامي بدرجات عالية، وتأمين إمدادها بالطاقة عبر المياه الدولية، مع عدم إهمال الجانب العسكري الدفاعي، ووضع الاستراتيجيات العسكرية والأمنية التي تعزز القدرات العسكرية للبلاد، كما أشرنا في بداية الحديث.

باختصار يمكن القول إن الأجندة السياسية والعسكرية للصين تعتمد قبل كل شيء على عناصر القوة الناعمة ولاسيما الاقتصادية منها، مع السعي كما أشرنا إلى بدء الاهتمام بتحسين قدراتها العسكرية الدفاعية، وإذاً لن تستطيع الولايات المتحدة وضع العراقيل في طريق صعودها اللافت، لاسيما أنها تنسق سياسياً مع روسيا الاتحادية، إلى جانب أن استثماراتها المتزايدة في دول العالم بعيدة عن الاستغلال والتوحش كما هو الحال بالنسبة للاستثمارات الأمريكية.

العدد 878 - 18/09/2019