ذاكرةٌ مدرسيّة ومطلب أساسي

غزل حسين المصطفى:

… ولأنّني خريفيّة التكوين وتشرينيّة النّفس، ترقص روحي طربة أمام هيبة الخريف والورق الأصفر، وعلى الرغم من كون أيلول شهر افتتاح المدارس والعودة للمقاعد الدّراسية، تبقى أجمل الذكريات بين ثناياه.

وبعد أن أصبحتُ جامعيّة، أستيقظ صباحاً مع ضجيج المدينة على رائحة الرّداء المدرسيّ الجديد، وقلبي يُحدّثني عن طفل سيكون هذا اليوم هو يومه الأول في المدرسة، حيث سيختبر كيف يُنزع النّوم من عينه صباحاً ليصطف برتلٍ منتظم مع أقرانه، وهنا تعود بي الذّاكرة إلى يومي الأول.

ولأن أمي موظفة حكوميّة اعتدتُ الاستيقاظ معها، لننتقل إلى بيت مُربّيتنا، وإلى الصف التّحضيري قُبيل المدرسة فيما بعد.

لم تُطبع في أيامي ذكرى استيقاظ مرير لأجل الدوام، لم أبكِ على أمي أمام باب المدرسة وأناديها لتأخذني معها، ذهبتُ وحدي وبكل ثقة وأمام هيبة بابٍ عظيم وضخم بالمقارنة معي وقفت وابتسمت، ماذا ينتظرني!؟

صرتُ أقلّد من حولي وكلّي حذر، دقائق وباتوا يردّدون كلاماً لم أفهمه، وقد كان يحمل طابعاً غنائياً، لم تَطُلْ بي الأيام حتّى أدركتُ أنه نشيد الجمهورية العربية السّورية وأن علينا في كلّ صباح بداية الأسبوع ونهايته أن نُردده.

مازالت ريم الصغيرة ذات الفستان الورديّ مع رامز يُصنفان في ذاكرتي على أنهما الصورة الأمثل للأطفال حين أعدّوا طاولة الطعام مع (بابا، وماما).

وتلك اللُّعبة التي صنعها (عمّو منصور النجار) أسأل هل مازالت بخير؟ هل حفظها كتاب القراءة جيداً من عوامل الطبيعة وقذائف الحرب؟

سأعترفُ أنّني حتى الآن أُغني (ست سنين أصبح عُمري) وبصراحة قد أُغيّر الرقم ولكن قلبي يذوق لذّة ذلك النشيد العتيق الذي تباهيتُ به يوماً أنّني قد حفظته غيباً، ولو تُرِكَ المجال لذاكرتي وأشواقي لحدّثتكم عن كل زاوية وعن كل كتاب ومُعلّم، لكن لابدّ أن ننتقل إلى الجزء الأهم الذي يراودني بعد كل هذه حتّى نطرح السؤال:

جيل الشّاشات الذّكية وشبكة الانترنت أين هو ممّا ذكرتْ؟

أين هي هيبة العلم ووقار المُعلّم؟

رياح التّغيير والتّحديث تقذفنا في كل يوم نحو حدثٍ تكنلوجيٍ مختلف، فأين وصلت مناهجنا في التّطوّر والتّقدم؟

بكل أسف سأجيب من منطلق قلبٍ تحطّم حين فتحتُ كتاب اللغة العربيّة ذات يوم ولم أقابل العظيم سُليمان العيسى على صفحاته، حتى رائحة الليمون الفلسطيني مع محمود درويش قد غيّبتها نفاثات طائرة صدح أحدهم بقصيدة تُبجلها، أتعلمون أن صاحب الظلّ اللطيف والحكايا المؤثّرة لم يعد لذكره وجود؟ كتاب القصة سقى الله أياماً بُحَّ فيها صوتي وأنا أقرأ بكامل حنجرتي قصة بندقية وفية لشهيد عانقها وأغمض جفنه النازف على هُتافات نصرٍ مُبجل.

حتى مسألة الرّياضيات في الوظيفة المنزليّة لم تكن تستغرق معي كثيراً لفهمها، فالدرس مشروح في طيّات كتابي المدرسي، أما اليوم فالكتاب مُختصر يعتمد الألوان والزخرفة، لأن الحصص الخصوصية في المعاهد والمنازل ستكون البديل عن المنهاج والمدرسة، ولذلك لا يلتفتُ التلميذ إلى معلّمٍ يشرح، وقد لا يُكلّف البعض أنفسهم عناء الشّرح المُطوّل، والفيزياء والكيمياء كذلك.

إلى أبناء جيلي ومن عاش معنا طعم حصّة الرّياضة ونحن نرتدي زيّاً موحداً ونتراكض بعضنا خلف بعض، في لعبة تجمع الكل على روح المنافسة اللطيفة والفوز الجميل، اليوم باتت الحصّة هي حصّة فراغ يُخرِجُ فيها كل طالب هاتفه النّقال مُتباهياً، وإن لم يكن الهاتف في حوزته سيُخرج بطولاته في حديثٍ ساذج عن قائمة أصدقائه على الفيسبوك وعدد مُتابعي شخصيته المُفضلة على اليوتيوب.

كم هَزُلت المعاني السّامية حين تناسوا أعظم التّفاصيل.

السؤال هل دُرست تلك التحديثات من قبل مُختصين في مجال التربية والتّعليم؟

هل أعطى مُختص نفسي مُلاحظاته على تلك الأساليب التي تُستخدم في الّصفوف ويُدرجونها تحت مُسمّى أساليب حديثة تُراعي عصر التكنولوجيا والإنترنت؟

من قرّر كل ذلك؟

قد يكون فيها جانب جيد أو حتّى جوانب، ولكن إلى اليوم لم تُثبت ذلك، كل ما نسمعه هو تذمّر الأهل من هذه المناهج والطّرق المُتّبعة، ومن أنشطة بيتية تُطلب من التلاميذ تُكلّف الأهل مبلغاً لا بأس به من المال ويعودون ليُنفّذوها بأنفسهم لأن لا قدرة لطفلٍ صغير على ذلك.

وبعد كل هذا نخرج لنقول قد واكبنا ركب الحضارة، طوّرنا وأنجزنا الشيء العظيم!

إلى من يعنيه الأمر من كادر تعليمي وأهل وأصحاب قرار، لا تقع كلُّ المسؤولية على طرف دون آخر في كل ما يحصل من ثغرات في العملية التعليمية، كُلّنا شركاء وكلٌّ من مكانه وحسب قُدراته، ولكن أن نترك الأمور (على التيسير) أمرٌ غير مقبول بالمطلق.

هؤلاء هم أبناؤنا، وهذا وطننا، والغد القادم إن لم نكن فيه فهو لأرواح ولجت الحياة من غير قرار مُسبق لها، ومثلما حاربنا لنكون ونصنع لأنفسنا، فلنلتفت إلى هذا الجيل قليلاً!

العدد 878 - 18/09/2019