نحو المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد .. تقرير اللجنة المركزية إلى المؤتمر

في اجتماعها النوعي الذي عقد بتاريخ 22-23/8/،2019 قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد، الموافقة على مشروع التقرير المقدم للمؤتمر الثالث عشر للحزب، الذي قررت اللجنة موعد انعقاده في أواخر شهر تشرين الثاني من هذا العام، بعد أن أدخلت عليه العديد من الملاحظات والتعديلات، كما قررت نشر هذا التقرير في جريدة (النور) والموقع الإلكتروني للحزب، ليتسنّى للمهتمين الاطلاع على مضمونه.

إن اللجنة المركزية للحزب تهيب بجميع الرفاق والأصدقاء وجميع القوى السياسية الوطنية، والمهتمين والخبراء في الشؤون السياسية والاقتصادية، إبداء الرأي والملاحظات حول هذه الوثيقة، وإرسالها إلى البريد الإلكتروني للصحيفة:

annourscs@gmail.com

أو عبر الاتصال المباشر مع مقر قيادة الحزب، أو مقر جريدة (النور)

 

 الفصل الأول: القسم السياسي
آ ـ حول الوضع الدولي الراهن

إن السمات الأساسية لعالمنا الراهن تحكمها التناقضات التالية:

1 ـ احتدام التناقض بين الإمبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وجميع شعوب العالم الطامحة إلى التحرر والتقدم وبناء دولها الوطنية المستقلة ذات السيادة، من جهة أخرى.

2 ـ التناقض بين الأنظمة الرأسمالية من جهة، والجماهير والطبقات الكادحة في بلدانها ذاتها وخاصة الطبقة العاملة من جهة أخرى.

3 ـ التناقض بين المراكز الإمبريالية العالمية وخاصة الأمريكية من جهة، الساعية لاستمرار هيمنتها كقطبٍ وحيد على السياسة والاقتصاد الدوليين، وتجمّعات سياسية واقتصادية إقليمية وعالمية كبرى برزت في مواجهتها: (بريكس_ آسيان)، تعمل لنزع الهيمنة الأحادية نحو عالم متعدد الأقطاب، وتنامي الدور الذي تلعبه الصين وروسيا في هذا الاتجاه.

يبقى استنتاج لينين أن الحرب سمة جوهرية للمرحلة الإمبريالية وجزء من طبيعتها دقيقاً وسليماً على مرّ العصور. فالسياسة التوسعية للإمبريالية تفرض عليها أن تبقى في حالة حرب دائمة، وعليها أن تجد أو تصطنع دائماً عدوّاً لمحاربته، وقد اتخذ الصراعُ فيما بينها، على مناطق النفوذ والسيطرة على البلدان الأخرى في العالم، شكلَ الحروب، سابقاً؛ ويتخذ حالياً طابعَ استهداف الشعوب الطامحة إلى التحرر والتقدم والقوى الثورية والشيوعية في العالم ومحاربتها حالياً، فضلاً عن عدوانيتها العسكرية المستمرة.

وقد شنّت الولايات المتحدة حروباً مباشرة في كوريا والفيتنام ولاوس وكمبوديا، ودعمت النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وهي تدعم وتتبنى الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

كما دعمت ولا تزال تدعم الأنظمةَ الرجعية العربية ودكتاتوريات أمريكا الوسطى والجنوبية، وقامت بالتآمر والتخطيط لانقلابات التشيلي والبرازيل والأرجنتين وأورغواي وبوليفيا، وموّلت الكونترا في نيكاراغوا، وحاصرت وما زالت تحاصر كوبا وإيران ومؤخراً فنزويلا، وذلك كله بهدف إخضاع جميع الدول التي لا تدور في فلكها لسياستها والسيطرة عليها.

 

كما قامت بالتعاون مع الدول الرجعية العربية بتصنيع تنظيم “القاعدة”، كقوة ضاربة ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ولاحقاً في سورية والعراق.

إن العدوانية الأمريكية وحروبها تجاه مختلف دول وشعوب العالم تأخذ اليوم، إضافة إلى التهديد العسكري والعدوان المباشر، شكلَ الحرب التجارية والاقتصادية، من خلال فرض شتى أنواع العقوبات تجاه هذه الشعوب، كزيادة الرسوم على المستوردات الأمريكية بنسب عالية، وفرض الحصار الاقتصادي وغير ذلك. فالإدارة الترامبية للولايات المتحدة تسعى إلى تجيير الأزمة الاجتماعية الداخلية والصراعات السياسية داخل هذه الإدارة إلى الخارج، من خلال تصعيد سياسة الحرب الاقتصادية مع معظم دول العالم، ومن ضمنهم حلفاء الولايات المتحدة ذاتها في أوربا، وليس فقط ضدّ أعدائها التقليديين مثل روسيا والصين وإيران.

إن النزوع نحو الاحتكار وتمركز رأس المال ونفوذ البنوك والشركات الكبرى، كذلك توسع المؤسسات المالية والشركات الاحتكارية، أدّى إلى تبنّي الإدارة الأمريكية، بقيادة حزبيها الجمهوري والديمقراطي، الحروبَ الدائمة اللانهائية، سواء المباشرة أم بالوكالة.

النظام الرأسمالي العالمي ولد وهو يحمل في أحشائه أسباب أزماته اللاحقة، فالقانون الأساسي الذي يتحكم في حركته ينطوي على تناقض عدائي: بين شكل الملكية الرأسمالية الخاص، وطبيعة الإنتاج الاجتماعية. وعلى قاعدة هذا التناقض ينشأ التفاوت بين نمو الإنتاج المتراكم بسرعة هائلة، وعجز قوى الإنتاج البشرية عن الحصول على حاجاتها الاستهلاكية الضرورية والمتنامية، ويغدو نشوب الأزمة هو النتيجة المنطقية لهذا التفاوت عند احتدامه الحتمي.

إن التناقضات في النظام الرأسمالي العالمي، وفي مقدمتها التناقض بين الرأسمال والعمل، ولاسيما في ظل الاكتشافات العلمية الحديثة وثورة التقانة وتحوّل المعرفة إلى قوة إنتاج رئيسة أساسية، وما لحقها من نمو للبطالة والفقر، واتساع دائرة المهمَّشين في العالم، ما هي إلا بعض مظاهر أزمة الرأسمالية المعاصرة التي تمثّل، في الوقت ذاته، أهمّ مظاهر العولمة الرأسمالية.

انتهت مرحلة التوازن الدولي والتعايش بين القطبين الرئيسين، وانهار النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية في شرق أوربا، في تسعينيات القرن الماضي، وترافق ذلك مع حدوث تغييرات هائلة في إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية، فقد سيطر القطب الأمريكي الأوحد على مجمل الاقتصاد العالمي، خاصة بعد تحكُّم الليبرالية الاقتصادية الجديدة بمراكز القرار في الولايات المتحدة وأوربا الغربية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وانفردت الولايات المتحدة بإدارة شؤون العالم نحو عولمة متوحشة النظام الرأسمالي، مستعينة بتطور قفزي هائل لتكنولوجيا البرمجة والاتصالات، جعلت العوائق السياسية والاقتصادية تتحطم أمام تدفق السلع والخدمات إلى دول العالم. وإذا كان المظهر التكنولوجي والعلمي لتلك العولمة مفهوماً، من وجهة نظر الدول الفتية، للاستفادة منها في عملية التنمية الاقتصادية في بلدانها، فإن المظهر الإيديولوجي، المتمثل في فرض السياسات والقرارات والنماذج الاقتصادية على البلدان النامية، بذريعة إصلاح الاقتصاديات المتأثرة بالتوجه الاشتراكي والتخطيط المركزي، شكّل نوعاً من الضغط السياسي والاقتصادي المدعوم في كثير من الأحيان بضغط عسكري لا يقل عنه أهمية. إن العولمة تمثل مرحلة متقدمة من توسيع الأسواق، إذ إن اقتصاد السوق لم يعد يقتصر فقط على الحدود السياسية لدولة ما، بل تجاوز ذلك ليشمل مختلف أجزاء العالم، فقد أصبح السوق شاملاً لأكبر قدر من الكرة الأرضية، ومع العولمة غدا كل شيء خاضعاً لمنطق السوق وأحكامها.

 

المشهد الاقتصادي للعولمة الرأسمالية:

1 – تحرير متزايد للاقتصادات الوطنية والأسواق من التدخلات الحكومية، والتحول من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، وفرض برامج التثبيت الاقتصادي والتكيّف الهيكلي (توافق واشنطن) على دول الجنوب والدول الاشتراكية سابقاً.

2 – نمو سريع لمعدلات التجارة العالمية للسلع والخدمات، وانتقال حر لحركة الرساميل عبر الحدود الوطنية، لاقتناص الفرص عبر عمليات المضاربة، وبروز دور الشركات عابرة القارات كقوة كبرى في الإنتاج والبحث العلمي والتكنولوجي والاستثمار، مما جعلها تسيطر حالياً على ثلثَيْ التجارة العالمية.

3-تشكيل مؤسسات وهياكل تنظيمية عالمية، كمنظمة التجارة العالمية، وانتشار أنماط الاستهلاك والثقافة الاستهلاكية السائدة في دول الغرب وخاصة في الولايات المتحدة، وهو ما يطلق عليه الغزو الثقافي.

4– تراجع سلطة الدولة الوطنية في البلدان النامية، وانحسار في قدرتها على التخطيط لاقتصادها وتنفيذ سياستها الوطنية، وظهور لافت وسريع للقطاع الخاص ومشاركته في اتخاذ القرار الاقتصادي.

 

بعض مظاهر “توحُّش” العولمة الإمبريالية:

ـ أدى صعود الليبرالية الاقتصادية الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي، إلى إزالة قيود انتقال رؤوس الأموال وتخفيض الضرائب على أرباح الشركات الكبرى، وتراجع دور الإنتاج والتبادل السلعي في العملية الاقتصادية، لمصلحة تصدير رؤوس الأموال، وغزو الأسواق المالية العالمية، واللعب في البورصات، وبلغت التعاملات الآجلة والمقايضة ومبادلة العملات، في نهاية عام 2018، نحو 1150 تريليون دولار، وهو ما يشكّل 14 ضعفاً لقيمة الناتج الإجمالي العالمي، في العام نفسه، البالغ نحو 80 تريليون دولار.

ـ لقد تسببت سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة بعدد من الأزمات الاقتصادية العالمية، كان أشدها تأثيراً أزمة خريف عام 2008، التي ضربت قلعة الرأسمالية العالمية، وتشظّت بعدها إلى أوربا ودول الأطراف، وتسببت بأضرار بالغة لاقتصادات الدول النامية.

ـ إن الولايات المتحدة تضع نفسها فوق جميع القوانين الدولية، وتنتهك هذه القوانين، وتتدخل في شؤون الدول كافة، وتتآمر على الدول المستقلة، وتحاول فرض إرادتها وهيمنتها عليها، وتعمل على نشر القواعد والأساطيل العسكرية، وعسكرة الفضاء، والحروب الاستباقية، ونشر الفوضى على الصعيد العالمي، وتهديد السلم العالمي.

ـ وانسحبت الإدارة الأمريكية الجديدة من المعاهدات الدولية (كاتفاقيات المناخ والتجارة والاتفاق النووي مع إيران ومعاهدة الصواريخ والأسلحة الكيماوية مع روسيا وغيرها.).

إن هذا الواقع يتطلب العمل على إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من خلال تطوير أنظمتها بما يؤمّن مشاركة الأغلبية الساحقة من الدول في العملية الدولية عبر إجماع واسع، لتجنّب التناقضات الواسعة في الوضع الدولي، والحفاظ على السلم والأمن والاستقرار في العالم.

ـ لقد عملت الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي على تحقيق مشروع الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم، وأقامت نظاماً عالمياً قوامه وحدانية القطبية، ومنع قيام أي قوة أو خصم جديد يمكن أن يصبح منافساً لها، مما شكّل ويشكل خطراً على العالم أجمع.

ـ وقد شكّل سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي عاملاً أساسياً في زيادة قدرة الولايات المتحدة على سعيها للتفرد بقيادة العالم وإقامة نظام عالمي يقوم على وحدانية القطب الأمريكي. ورغم محاولات دول الاتحاد الأوربي، ككتلة سياسية واقتصادية واحدة، تشكيل قطب موازٍ للدور الأمريكي في العالم، إلا أن ذلك لم يتحقق على نحو فاعل حتى الآن، نظراً للعلاقات التاريخية والشراكة في النزعة الاستعمارية بينهما والتشارك في نهب الشعوب، وبسبب الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بينها.

 

سقوط وحدانية القطب:

يتسم عالمنا اليوم بطبيعة انتقالية من مرحلة سادت فيها سيطرة وحدانية القطب الأمريكي على العالم خلال العقدين الماضيين، إلى مرحلة تتميز بتعددية قطبية متنوعة.

فقد استمرت هذه الوحدانية سنوات عديدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، قبل أن تنهض دول جديدة كبرى، تشارك بقوة في اتجاهات الاقتصاد العالمي، وتلغي شيئاً فشيئاً الهيمنة المطلقة للقطب الأمريكي، وهذا ما يمثّله اليوم تجمع “بريكس”، الذي يضمّ دولاً نامية كبرى، وهي الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، تساهم بنحو 22% من الناتج الإجمالي العالمي، وتجمّعات اقتصادية إقليمية كتجمع “آسيان”، فقد ازدادت القدرة الاقتصادية للصين ثالث أكبر الاقتصادات العالمية، بنحو 13% من الناتج العالمي مع توقعات بتجاوزها الولايات المتحدة التي تساهم بنحو 20% من الناتج، وذلك قبل عام 2030، وخاصة بعد طرح مبادرتها (الحزام والطريق) التي يمكن أن تشمل 65% من سكان العالم.

واليوم، يشكّل تنامي الدور السياسي والاقتصادي لروسيا على الصعيد العالمي، في العقد الثاني من هذا القرن، عاملاً أساسياً في مواجهة محاولات التفرّد والهيمنة الأمريكية، وقد كان للدور الهام الذي لعبته روسيا في القضية السورية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، أثرٌ كبير في بروزها كقطب مناوئ بقوة للقطب الأمريكي على الصعيد العالمي.

إن الإرهاب الدولي ليس موضوعاً مستقلاً عن السياسة الدولية، إنه أداة للوصول إلى عالم أحادي القطب بمركز واحد لإدارة شاملة للعالم، تهدف إلى محو الحدود القومية للدول وإرساء هيمنة نخبة عالمية جديدة، وهذه النخبة هي الفاعل الأساسي في الإرهاب الدولي.

ويشكّل هذا النوع من الإرهاب، في عصرنا الراهن، ظاهرةً تنسّق بين استخدام العنف من جانب هيئات سياسية دولية وغير دولية كوسيلة للوصول إلى أهدافها السياسية، عن طريق الترهيب والزعزعة الاجتماعية والنفسية للشعوب.

إن شعار “الحرب على الإرهاب” الذي ترفعه الدول الإمبريالية يهدف، بشكل أساسي، إلى إخفاء الأهداف الحقيقية للقوى التي تسعى للهيمنة الشاملة على العالم، وحرمان الشعوب من حقّها المشروع في المقاومة المسلحة ضد العدوان عليها، واستبدال أهداف الدفاع عن المصالح الوطنية بتبنّي الحرب على الإرهاب، وتخفي الولايات المتحدة وحلفاؤها أهدافها هذه بشعاراتٍ مضلِّلة، كالسعي لإقامة الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان في البلدان المستهدفة.

وتعدّ السياسةُ الأمريكية في هذا المجال والعدوانيةُ الإسرائيلية المثالَ الصارخ على الإرهاب الدولي على الصعيد العالمي.

إن مهمة مكافحة الإرهاب العالمي تبدأ من ضرورة احترام جميع الدول لمبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي.

إن شعوب العالم المضطهدة تلجأ إلى حركات التحرر الوطني لنيل حقوقها في تقرير مصيرها، استناداً إلى حق كل شعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب في العيش في ظله، باعتباره ركناً أساسياً من أركان حق تقرير المصير، وهذا الحق لا يمكن فصله عن المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي أُقرَّت دولياً نتيجة لتضحيات جميع شعوب العالم من أجل تحررها من الاستعمار.

وإذا كان ماركس قد أكد في البيان الشيوعي أن شعباً يضطهد شعوباً أخرى لا يمكن أن يكون حراً، فإن ثورة أكتوبر وانتصارها أعطت زخماً قوياً لجميع فصائل الحركات الثورية في العالم، وفتحت إمكانياتٍ وآفاقاً جديدة لانتشار الحركة العمالية العالمية وحركة التحرر الوطني، وخاصة بتضامن هذه الحركات مع الدول الاشتراكية تحت شعار “ياعمال العالم ويا أيتها الشعوب المضطهدة اتحدوا”.

وقد بدأ النظام الرأسمالي منذ أن دخل مرحلة الاحتكار والإمبريالية يمعن في إعاقة سير البشرية نحو الحرية والعدالة، لذلك غدا النضال من أجل العدالة الاجتماعية مقترناً بالنضال ضد الرأسمالية والإمبريالية، والذي يتجلى طبقياً واجتماعياً بالنضال من أجل التقدم الاجتماعي والاشتراكية.

وفي عصرنا الراهن، الذي تترأس فيه الولايات المتحدة النظام النيوليبرالي العالمي الذي يسعى إلى التمدّد العسكري وسحق الهويات القومية، وتحطيم الدول الوطنية، ونهب خيرات الدول الأخرى، ونتيجة لسياسة الاحتلال والاستيطان ووجود أنظمة عنصرية بطبيعتها، فقد تصاعد نضال الشعوب ضد الاستعمار والاحتلال، واستطاع رجال المقاومة المسلحة من انتزاع مشروعية مقاومتهم وحقهم في استعمال القوة المسلحة، في القانون الدولي العام.

 

الحركة الشيوعية العالمية:

إن وقائع التاريخ تؤكد أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الإمبريالية اليوم، يتمثل في التناقض المتأصل بين أطماعها في الهيمنة التي تتوخاها على العالم، ومحدودية قدراتها من جهة أخرى، بسبب مجابهة هذه الأطماع من قبل إرادة الشعوب في التحرر والانعتاق منها.

وكما أكد لينين فإن مهمة الثوريين وفي مقدمتهم الشيوعيون تتمثل اليوم، كما كانت، في تغيير الواقع، وهو ما لا يمكن إنجازه دون فهم واضح للعالم والنظام الرأسمالي العالمي، ودون التأسيس لاستراتيجية مكافحة هذا النظام.

إن إنقاذ الإنسانية من براثن العولمة الأمريكية المتوحشة والمدمرة يستحيل دون دحر النظام الرأسمالي، ومحاربة الإمبريالية دون هوادة وأينما كانت، بكفاح الطبقات الشعبية والشعوب المضطهدة وكل القوى الشيوعية والاشتراكية والتقدمية واليسارية في العالم.

لقد كان لانهيار تجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي وبلدان أوربا الشرقية تداعياتٌ هامة على جميع الأحزاب الشيوعية في العالم، وقد دفعت هذه التطورات الأحزاب إلى إجراء عملية تقويم ومراجعة شاملة لفكرها وبرامجها وبنائها التنظيمي، في ضوء الدروس التي استخلصتها من فشل تلك التجربة، ومن تقييم أوضاعها الخاصة، وكذلك بالارتباط مع الآثار المترتبة على التغيير في موازين القوى العالمية، وخاصة بزوال القطب الاشتراكي، الذي كان يشكل لجميع هذه الأحزاب سنداً ورافعة رئيسية، في النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية وأنظمتها السياسية. لقد اختارت بعض الأحزاب الشيوعية التخلي عن هويتها الشيوعية بالكامل، فغيّرت أسماءها وبرامجها وأنظمتها الداخلية ومرجعيتها الفكرية، وانتقلت إلى مواقع الاشتراكية الديمقراطية، وذهب بعضها إلى التخلي عن الأفق الاشتراكي كلياً. كما تبنّى البعض الآخر موقفاً محافظاً وقرّر الإبقاء على وضعه، معتبراً ما حدث في الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية مؤامرة دبّرتها الدول الامبريالية وأجهزة مخابراتها، وتواطؤاً أو خيانة من بعض قيادات الأحزاب والدول من الداخل. وبالتالي ليس ما يدعو إلى إجراء أيّ تعديلات أو تغييرات في برامجها وأنظمتها الداخلية، أو تجديد في المجال النظري والفكري. أما الخيار الثالث الذي تبنّاه عدد من الأحزاب الشيوعية، فهو الحفاظ على هوية الحزب الفكرية والسياسية الشيوعية مع تجديدها، وإطلاق عملية توسيع الديمقراطية وتعميقها في بنائه التنظيمي.

ولا تزال الأحزاب الشيوعية، سواء التي تزال تحكم في بعض بلدان العالم، أم التي كانت تحكم في البلدان الاشتراكية سابقاً وكذلك الموجودة في معظم البلدان الرأسمالية، لا تزال تشكّل حركة شيوعية واحدة على النطاق العالمي، وتعقد اجتماعاتها الدورية للتداول في آخر مستجدات الوضع الدولي ومجابهة الامبريالية واتخاذ المواقف المناسبة تجاه ذلك.

 

ب ـ حول الوضع العربي والإقليمي.. التناقضات والصراعات الأساسية في المنطقة:

تنعكس التناقضات والصراعات على المستوى الدولي، على التناقضات والصراعات في منطقتنا من حيث تمحور دول المنطقة في قطبين أساسيين:

ـ قطب حلفاء الولايات المتحدة.

ـ قطب المقاومة لمشاريع الولايات المتحدة وسياساتها.

ـ تحتدم داخل قطب حلفاء الولايات المتحدة الصراعات والتناقضات بين محورين: (السعودي ـ الإماراتي ـ المصري) من جهة، و(التركي ـ القطري) من جهة أخرى.

ويحاول المحوران بسط تأثيرهما على المنطقة، ويتباريان في تنفيذ سياساتهما المشتقة من خطط الإمبريالية الأمريكية وأجنحتها المتصارعة، أو بما يتوافق معها.

وتعد إسرائيل وجميع قوى الرجعية العربية جزءاً أساسياً من هذا القطب، الذي يشكل القوة الضاربة للمشروع الإمبريالي العولمي، وهو مرتبط به عضوياً.

ـ قطب المقاومة لمشاريع الولايات المتحدة وسياساتها: يضم هذا القطب دولاً (سورية_ إيران)، وحركات مقاومة (“حزب الله” في لبنان وقوى وأحزاباً أخرى)، وقوى شعبية وسياسية ورسمية عراقية قومية، ويضمّ كذلك أحزاباً سياسية ومنظمات وطنية ويسارية عربية، فضلاً عن (المقاومة الفلسطينية)، وقسماً هاماً من الشعوب العربية.

ويتلقى هذا القطب الدعم والتأييد من جميع قوى التحرر الوطني العربية والعالمية.

ويحتدم الصراع بين هذين القطبين الرئيسين حول مستقبل المنطقة، وفي مواجهة المشاريع والخطط الأمريكية للهيمنة عليها والسيطرة على مقدراتها السياسية والاقتصادية، بما يؤمّن مصلحة إسرائيل وأمنها، ولا يتوانى القطب الأمريكي، في سبيل ذلك، عن التدخل العسكري المباشر(سورية)، وعن ممارسة الحصار الاقتصادي والدولي (سورية والعراق).

لكن إمساك القطب الوطني بناصية الموقف المبدئي تجاه الامبريالية الأمريكية والصهيونية، وتقوية نفسه بتحالفات دولية في مواجهة هذا العدو المشترك، يجعله قادراً على صد جميع أشكال العدوان.

 

حركة التحرر الوطني العربية:

بلغت حركة التحرر الوطني العربية أضعف مراحلها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بداية تسعينيات القرن الماضي ومع تفرُّد القطب الأمريكي بقيادة العالم، فقد تشتّت شملُ هذه الحركة، رغم بقاء خطابها التحرري بمواجهة الإمبريالية والصهيونية، ورغم دمج مهام التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، ورغم أن أنظمة العديد من الدول العربية عملت على التعاون مع الإمبريالية والصهيونية لإضعافها بل لإنهائها.

إن الانتفاضات الشعبية، التي قامت في العديد من الدول العربية (تونس ومصر واليوم في الجزائر والسودان) ضد أنظمة التبعية والاستبداد والفساد، تؤكّد أن الشعوب العربية ما تزال توّاقة للتحرر الوطني والاجتماعي والسياسي، وأنها ما تزال معادية للإمبريالية والصهيونية، وأن هذه الشعوب ما زالت قادرة على النهوض مجدداً.

إن هذه الفرصة تتحول لتغدو واجباً وطنياً وقومياً وأممياً، يتطلب إعادة الفعالية للعلاقات بين قوى التحرر الوطنية العربية، وبضمنها الأحزاب الشيوعية والتقدمية والعمالية، والعمل من أجل إطلاق طاقات هذه الأحزاب في كل دولة، وكذلك التنسيق مع الأحزاب والقوى التقدمية، على النطاقين الإقليمي والعالمي، بغية تشكيل جبهة موحّدة داعمة لحركة التحرر العربي في نضالها من أجل التحرر والتقدم والعدالة الاجتماعية.

 

الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية:

ما يزال مفهوم (الصراع العربي الإسرائيلي) المعبِّر الأكثر دقّة عن الوجود الدخيل لكيان العدو الصهيوني، والعنوان الرئيس في منطقتنا لمقاومة المشاريع الإمبريالية، بالرفض التام والجوهري للصهيونية كحركة، وللفكر الصهيوني كمعبِّر علني ومفضوح للعنصرية، وتمثّل إسرائيل أقدم وآخر نظام فصل عنصري واستيطاني واستعماري في العالم، باعتبار الصهيونية والكيان الصهيوني قاعدة متقدمة في منطقتنا لتنفيذ المشاريع الإمبريالية، وإعاقة تقدّم دول المنطقة وشعوبها بشكل مستقل وإنجاز تحرّرها الوطني والاجتماعي.

إن مجريات الصراع في المنطقة تستوجب توسيع مفهوم الصراع العربي الإسرائيلي، ليصبح مقارباً للواقع ولمتطلبات مقاومة المشروع الإمبريالي، بحيث يكون الصراع بين طرفي المعادلة الحقيقية، وهما: أنصار الاستقلال والسيادة الوطنيين لجميع دول المنطقة من جهة، بمواجهة الهيمنة الإمبريالية وأدواتها الصهيونية والرجعية العربية من جهة أخرى. وضرورة العمل على إفشال المساعي الإمبريالية والصهيونية لإحلال الحرب ضد إيران والمقاومة محلَّ الصراع ضد العدو الصهيوني وإسرائيل.

لقد اعتبر حزبنا دائماً ولا يزال يعتبر أن الموقف من الصهيونية والقضية الفلسطينية هو البوصلة التي تؤشّر إلى الكثير من المسارات السياسية الأخرى في المنطقة، وتحدِّد، على أساسها، موقفه من القضايا المتعلقة بها. وأن من المهام الأساسية النضالَ مع جميع قوى حركة التحرر الوطني العربية، بصِفتنا جزءاً منها، من أجل تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، واستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني في العودة إلى أرضه وتقرير مصيره عليها، وبناء دولته الوطنية المستقلة وكاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967وعاصمتها القدس.

إن نقطة الضعف في الجانب العربي من الصراع هي نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في فصل المسارات العربية عن المسار الفلسطيني خلال المرحلة الماضية، عبر الاتفاقيات المنفردة مع بعض الدول العربية (مصر، ثم الأردن)، وكانت اتفاقية “أوسلو” سبق أن فتحت الطريق لمثل هذا الاتجاه، وحالياً لتنشيط محاولات التطبيع مع دول عربية أخرى. كما يساعد الانقسام الفلسطيني الداخلي على هذا الإضعاف بدرجة كبيرة، مما يتطلب مزيداً من بذل الجهد لتوحيد صفوف جبهة المقاومة وخاصة على الصعيد الفلسطيني، وعلى الأخص في الوقت الذي تشدِّد الولايات المتحدة من نشاطها وضغوطها لتكريس الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة، وفرض تسوية مذلّة على الشعب الفلسطيني بما يسمى “صفقة القرن”، بهدف تصفية القضية الفلسطينية نهائياً.

إن قطب المقاومة الذي أشرنا إليه سابقاً يشكّل جبهة المجابهة الأساسية لهذه المشاريع الإمبريالية والصهيونية في المنطقة، ويندرج فيها رفضُ أيّ شكل من أشكال الصفقات المنفردة، والتأكيد على حق هذه الجبهة في استخدام جميع أشكال مقاومة العدو الصهيوني، وبضمنها الكفاح المسلح.

 

العلاقات العربية والإقليمية:

إن مجمل التغيرات الجارية في العالم، وفي مجرىٍ تعددية الأقطاب، وفي ثناياها، تزداد قوة الأقطاب الجديدة وبضمنها الإقليمية، والضعف المتراكم للقطب السائد (الأمريكي) على كل المستويات، ينقلنا في أثناء هذه الحركة إلى الاستنتاج أن خريطة النفوذ القادمة في العالم ستكون ملوّنة جداً، متنوّعة إلى حدّ كبير، مع الإقرار بوحدانية قانون التطور الذي يشملها جميعاً. وهذا يعني أن القوى الإقليمية التي تمتلك مشروعاً واضحاً ستلون محيطها الحيوي بلونها، وأن تداخل هذا النفوذ لأكثر من مشروع إقليمي سيزيد من تعقيد اللوحة، لكن المصالح ستكون هي الأساس الذي ستنبني عليه العلاقات بين هذه المشاريع.

فإذا كانت التمحورات اليوم تبدو وفق ثلاثة محاور رئيسية في المنطقة، وهي (السعودي – الإماراتي – المصري)، و(التركي – القطري)، و(الإيراني – السوري – المقاومة اللبنانية والفلسطينية)، فإن تركيا وإيران هما فقط من يملك مشروعاً متكاملاً لتطور بلده وامتداد نفوذه في محيطه الحيوي، في إطار فهمه لأمنه القومي. ولا يبدو أيُّ مشروع لدولة عربية ماعدا تنفيذ مخططات الولايات المتحدة في التدخل في شؤون الدول العربية والمجاورة للعربية من قبل السعودية وقطر وبشكل أقل الإمارات.

وفي ظل هذه الظروف الراهنة، لا يلوح حتى الآن أفق لمشروع عربي متكامل يبني اقتصاداً أو ينمّي مجتمعات، ولا بد من حدوث تغيّرات أكبر على الصعيد الدولي حتى يمكن أن تتوفر لمثل هذا المشروع مقومات التوافق على التخطيط له.

ومن هنا فإن قراءة متأنية لواقع المنطقة، في إطار التغيرات الدولية، تجعلنا نقول إن المصالح المتبادلة بين كل دول المنطقة (العربية وغير العربية) كبيرة، بل وواعدة، وإن الأخطار التي تهددها متشابهة إن لم نقل واحدة. مما يجعلنا نستنتج أن السياسة المقاومة للمشاريع الإمبريالية والصهيونية، والمقاومة لصفقة القرن، والمقاومة لانتهاك سيادة الدول واستقلالها ولحريتها في اختيار طريق تطورها وتنميتها، هي السياسة القائمة على: – ضرورة بناء العلاقات مع كل الدول على أساس تبادل المصالح الوطنية.

 

الوحدة العربية:

تغدو قضية الوحدة العربية اليوم ضرورة موضوعية أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لحماية هوية الأمة العربية، وحاضرها ومستقبلهاـ وذلك لمواجهة الأخطار الخارجية التي تواجهها ضد المخططات الإمبريالية والصهيونية من جهة، ومن جهة أخرى للخروج من دائرة التخلف ومواكبة تطورات العصر وتشكيل قطب تنموي عربي.

ونحن نرى أن أي سعي في هذا الاتجاه يجب أن يقوم على أسس واقعية، تأخذ بالحسبان تباين مستويات التطور بين البلدان العربية، وأن يتحقق عبر مشاركة شعبية حقيقية على أساس ديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، وأن يعترف بحقوق الأقليات القومية، وأن تتمتع هذه الأقليات بحقوقها الثقافية والاجتماعية وبخصائصها الذاتية، في إطار وحدة المجتمع وتعزيز دور الدولة على أسس ديمقراطية.

 

ج ـ الحرب السورية والوضع الداخلي

منذ ما يقرب من تسع سنوات تخوض سورية حرباً وطنية عظمى متعدّدة الأطراف والجبهات، تعَدّ أخطر ما واجهته منذ استقلالها. فقد شنت عليها القوى الاستعمارية في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتاها بريطانيا وفرنسا، حملة تآمرية واسعة هدفت إلى إعادة رسم خريطة المنطقة، بما يؤمّن إخضاعها لمخططاتها ومطامحها الجيوسياسية، فضلاً عن هدفها الثابت في حماية أمن حليفتها إسرائيل. وكان تدمير الدولة السورية بجميع مقوماتها، بسبب مناهضتها لهذه المخططات، هو الهدف الرئيس في هذا الحملة. وشارك في هذا العدوان، على نحو مباشر وفعّال: قطر والمملكة السعودية ودول خليجية وإقليمية أخرى وخاصة تركيا.

وفي الوقت ذاته، أنابت هذه القوى عنها في اجتياح الأراضي السورية جحافل مسلحة من مجموعات “جهادية”، وتكفيرية من “داعش” و”النصرة” وغيرهما، كانت قد نشأت وترعرعت على أيدي القوى الرجعية السلفية الداخلية والإقليمية، وفي حاضنة الفقر والتخلف الفكري والاجتماعي، وضمّت في صفوفها عشرات الألوف من الإرهابيين الذين نفروا من مختلف بلدان العالم، والذين يحملون أكثر الأفكار ظلامية ووحشية وتخلفاً تحت شعارات سلفية تهدف إلى إقامة ما سمّته “دولة إسلامية” (داعش) على أنقاض الدولة السورية.

وتمكنت هذه القوى المزودة بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً وتدميراً، والمدعومة بمليارات من الدولارات، وبأحدث وسائل الاتصال، وبعشرات المحطات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية، من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وتهديد كيان الدولة أرضاً وشعباً، وارتكبت خلال حملتها هذه أبشع الجرائم بحق الإنسانية.

سقط عشرات الألوف من السوريين شهداء، وغدا مئات الألوف جرحى أو معاقين، وعمّت ظاهرة الأطفال اليتامى في كل مكان، وتحول أكثر من نصف سكان البلاد إلى نازحين أو مهجَّرين داخل القطر أو خارجه، مما شكل كارثة إنسانية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.

وقامت هذه القوى بتدمير البنى التحتية للدولة، من طرقات وجسور وسكك حديدية وآبار ومصافٍ للنفط وصوامع للحبوب، كما تم تهديم مئات الألوف من الأملاك العامة والخاصة، وبضمنها المدارس والمستشفيات ودور العبادة، وسُرقت المصانع وهرِّبت خارج البلاد، وغير ذلك مما دفع شعبنا الكثير من ماله وعرقه ودمه من أجل بنائها على مدى عقود وعقود. كما جرى استهداف خطوط الدفاع الوطني في مواجهة العدو الصهيوني.

فضلاً عن ذلك، حُطّمت معالم حضارية وآثارية تاريخية ذات قيمة تراثية عالمية، وتفشّت من جهة أخرى خلال هذه الحرب أمراضٌ اجتماعية خطيرة كالسرقة وتعاطي المخدرات والدعارة، تهدِّد النسيج الاجتماعي في البلاد، باتجاه الاصطفاف على أسس عشائرية ودينية وطائفية وإثنية.

جابهت سورية شعباً وجيشاً هذه الحرب المتعددة القوى والأطراف، بقوّة وبسالة منقطعة النظير، وتمكّنت بصمودها وبالتضحيات الهائلة، التي بذلها شعبها الجبّار، وبالدعم الكبير السياسي والاقتصادي والعسكري الذي قدمه لها حلفاؤها المخلصون وخاصة روسيا وإيران والصين وقوى المقاومة، من دحر هذا العدوان الغاشم، وإسقاط مشروع “الدولة الإسلامية”، وتحرير معظم الأراضي السورية من المجموعات الإرهابية المسلحة، وإعادة سيطرة الدولة السورية على هذه الأراضي.

إن الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في مطلع عام 2011 في كل من تونس ومصر ولاحقا في ليبيا واليمن، على أرضية تدنّي مستوى معيشة الجماهير، وانتشار الفقر والبطالة على نطاق واسع، وضد أنظمة اتسمت بالاستبداد والفساد، أدت وبسهولة نسبياً إلى ما بدا وكأنه “إسقاط” للأنظمة التي كانت قائمة في تلك البلدان، مما أُطلق عليه عنوان “الربيع العربي”، تفاؤلاً بانتقالها إلى مجتمعات ديمقراطية تحقق الرفاه والتقدم والعدالة لشعوبها!! مما خلق مناخاً مشجعاً لحراكات شعبية أخرى ذات مطالب مشابهة لما طرح في تلك الدول في دول أخرى، علماً أن الأنظمة التي كان قائمة في تلك الدول كانت بمعظمها تابعة بهذا الشكل أو ذاك للدول الإمبريالية، كما أن التبدلات التي جرت فيها اقتصرت من حيث النتيجة، كما تبيّن لاحقاً، على مجرد تغيير الرؤوس حسبما يتعلق الأمر بمصالح الدول التابعة لها، وحافظت من حيث الجوهر على بنية تلك الأنظمة بجميع مكوناتها.

إن من أهم وأخطر ما تمكّنت القوى المعادية لسورية ولحركة التحرر الوطني العربي عموماً من تحقيقه، من خلال الحرب على سورية، ومن مفرزات ما سمي “الربيع العربي”، هو تغييب القضية الفلسطينية، والعمل على تحويل دفة الصراع من صراع عربي صهيوني إسرائيلي في المنطقة واعتبار إسرائيل هي العدو الرئيسي للأمة العربية، إلى صراع طائفي وصراع عربي فارسي في مواجهة إيران وقوى المقاومة.

اتسمت الأوضاع في سورية منذ أواسط العقد الماضي بتفاقم العديد من جوانب الخلل في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي المجال السياسي جرى التشدد في تطبيق المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، إلى درجة أصبح فيها حزب البعث المستأثر الوحيد تقريباً بجميع مناحي النشاط السياسي في البلاد، ومن ذلك ضمان السيطرة شبه الكاملة على مجلس الشعب والوزارة ومجالس الإدارة المحلية والنقابات المهنية والعمالية والمنظمات الشعبية وغيرها، وغُيِّبت الجماهير عن المساهمة الفعالة في الحياة السياسية، وفقد الإعلام بمختلف أنواعه شعبيّته نتيجةً لهيمنة اللون الواحد عليه. كما تراجع دور الجبهة الوطنية التقدمية وتمثيلها في شتى الميادين، وازداد دور الأجهزة الأمنية في جميع المجالات على نحو لم يسبق له مثيل، واتسعت حملات الاعتقال لمجرد المواقف السياسية، وخاصة في أوساط المثقفين، لسنوات طويلة دون محاكمة أو بمحاكمات صورية.

كما أدت سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتُهجت خلال هذه الفترة، وتطبيق ما سُمِّي: “اقتصاد السوق الاجتماعي،” إلى تراجع دور الدولة الرعائي، وتعمّق التمايز الطبقي في المجتمع، واتسعت دائرة الفقر والبطالة والفساد، مما نجم عنه تفاقم حدّة الاستياء الشعبي في البلاد.

وكان أن انطلقت على أرضية هذه الأوضاع، في أوائل عام 2011، احتجاجاتٌ شعبية سلمية رفعت مطالب سياسية واقتصادية تتضمن إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتحسين الأحوال المعيشية للجماهير، وغير ذلك.

إلا أن الطريقة الأمنية والقمعية التي جوبهت بها هذه الاحتجاجات ساهمت في زيادة التوتر على نطاق البلاد، وتمكين القوى السلفية من تحويل القضية إلى نزاع عسكري مسلح كانت هي قد أعدّت له العدّة مسبقاً، مع القوى والدول الداعمة لها، لتحقيق أهدافها ومآربها في القضاء على كيان الدولة السورية بالكامل.

لقد ميّز حزبنا منذ بداية الأحداث بين معارضة وطنية (داخلية أو خارجية) تطرح شعارات تتضمن المطالبة بإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة في البلاد، وإلغاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وغير ذلك، مع الحفاظ على كيان الدولة السورية واستقلالها ووحدتها أرضاً وشعباً، وقوى ومجموعات ربطت أهدافها بأجندات القوى الامبريالية والإقليمية والرجعية، التي شنّت حرباً ضد الدولة السورية بغية إخضاعها لمشاريعها في الهيمنة على المنطقة، واعتمدت هذه القوى بشكل مطلق على الدعم الخارجي سياسياً وعسكرياً ومادياً وإعلامياً، ولم تتوانَ عن التعاون مع العدو الصهيوني في مواجهة الدولة السورية.

وقد سبق للحزب أن نبّه إلى ضرورة القيام بإجراءات ضرورية في مسار الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، فتوجّه إلى القيادة القطرية برسالة بتاريخ 6/5/2005عشية انعقاد المؤتمر العاشر للحزب، تضمّنت جملة من الحلقات التي لابد من التركيز عليها ومنها:(فصل الحزب الحاكم عن الدولة ـ رفع حالة الطوارئ ـ توسيع الانفراج السياسي ـ الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ـ إلغاء التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الحزبي ـ إلغاء ربط المنظمات المهنية بحزب البعث ـ مكافحة الفساد ونهب مال الدولة ـ صيانة القطاع العام ـ الاهتمام بالتخطيط الاقتصادي ـ استمرار دور الدولة الرعائي… وغير ذلك).

كما توجَّه الحزب بتاريخ 6/2/2011، أي قبيل اندلاع الأزمة في سورية، إلى قيادة الجبهة الوطنية التقدمية بمذكّرة تتضمن التوجهات والإجراءات السياسية والاقتصادية ذاتها، المطلوبة لمعالجة الأوضاع المتفاقمة في البلاد.

 

لقد قامت سياسة الحزب دائماً على قواعد ثلاث مترابطة فيما بينها بعلاقة دياليكتيكة لا انفصام بينها:

أولاً_ الموقف الوطني: يعدّ التناقض بين حركة التحرر الوطني العربية من جهة، والمشروع الإمبريالي الصهيوني الرامي إلى الهيمنة على المنطقة، وإخضاعها لنفوذه ولأهدافه ومصالحه من جهة أخرى، هو التناقض الأساسي. كما أن المهمة الوطنية الرئيسية التي لا تزال تواجه بلادنا هي قضية تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها الجولان السوري. وكذلك استرجاع كل أراضي الجمهورية العربية السورية المغتصبة من تركيا، وبضمنها اللواء السليب “إسكندرون”. كما نظر حزبنا إلى القضية الفلسطينية وإلى الصراع العربي الإسرائيلي باعتبارها البوصلة التي تحدد مواقفه من جميع القضايا السياسية الأخرى وكذلك من مختلف القوى والدول.

وتعد اليوم مهمة تحرير الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال الأمريكي وحلفائه في شمال شرق سورية، والتركي في الشمال السوري، المهمة الأكثر إلحاحاً، وذلك تحت أي تسمية يجري فيها هذا الاحتلال، من “مناطق آمنة” أو “عازلة” أو غير ذلك.

ثانياً_ الموقف الطبقي: لقد اتخذ الصراع الطبقي في سورية منذ أواسط العقد الماضي شكلاً أكثر حدّة ووضوحاً بين طرفين ونهجين متعارضين في الميدان الاقتصادي والاجتماعي:

ـ الأول يضم كبار الرأسماليين والطغم المالية ووكلاء الاحتكارات والسماسرة، المرتبطين والمدعومين من البيروقراطيين الحكوميين وكبار الفاسدين في الدولة، الذين دفعوا البلاد نحو انتهاج سياسة ليبرالية في الاقتصاد، وانفتاح للسوق تحت ما سُمّي “اقتصاد السوق الاجتماعي” وإضعاف لدور الدولة القيادي في الاقتصاد، والسعي إلى الخضوع لمتطلبات المنظمات الدولية المشبوهة. وانضم إلى كل هؤلاء في السنوات الأخيرة أثرياء الحرب وحيتان المال الذين ترعرعوا خلال الحرب السورية.

ـ وتقف في الطرف الثاني الجماهير الشعبية الكادحة بمختلف فئاتها، من عمال وفلاحين وصغار المنتجين الذين يطمحون إلى ضمان مستوى لائق لمعيشتهم، ويرون أن تحقيق ذلك يتطلب التأكيد على دور الدولة الإداري والرعائي في الاقتصاد، وعلى دعم القطاع العام، والسير بخُطا حازمة على طريق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية. ويقف حزبنا بحزم مدافعاً عن هذا الطرف في الصراع.

ثالثاً_ الموقف الديمقراطي: أكدت وثائق الحزب الصادرة عن مؤتمراته السابقة أن “الديمقراطية في بلادنا هي خيار إنساني وحاجة موضوعية تفرضها ضرورات التطور والتقدم وتعزيز الوحدة الوطنية”.

إن ممارسة الديمقراطية تتطلب تطبيق مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن الانتماء الإثني أو الديني أو الطائفي أو الجنسي أو الحزبي، وأن يقوم النظام على مبدأ التعددية السياسية وتداول السلطة. وهي بذلك تكون ديمقراطية الشعب بجميع مكوناته الاقتصادية والاجتماعية، وليست ديمقراطية الأقلية وخاصة تلك ذات القوة والنفوذ المالي والإعلامي وحسب.

كما أن تحقيق ذلك يتطلب تطبيق مبدأ سيادة القانون ومساواة المواطنين أمامه، وتكافؤ الفرص فيما بينهم، وضمان استقلال القضاء ونزاهته وحياده، ومنع الاعتقال الكيفي والتعذيب، وضمان الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين مثل حرية الرأي والاعتقاد والتعبير، وحق الاجتماع والتظاهر السلمي، والإفراج عن معتقلي الرأي.

وعلى أساس ذلك طرح حزبنا رؤيته للمبادئ الأساسية التي يفترض أن يتضمنها الدستور السوري فضلاً عمّا ذكر:

ـ الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية مدنية علمانية ذات سيادة تامة.

ـ الشعب في سورية جزء من الأمة العربية.

ـ التأكيد على استقلال الدولة ووحدتها أرضاً وشعباً.

ـ نظام الحكم في الدولة نظام جمهوري.

ـ حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته.

ـ القيم الإنسانية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان مكفولة بالدستور.

ـ حظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي.

ـ الفصل التام والواقعي بين السلطات الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية.

ـ سيادة القانون والمساواة أمامه واستقلال القضاء والمحاماة أساس الحكم في الدولة.

ـ الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية.

ـ توفر الدولة للمرأة جميع الفرص للمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ـ الجنسية السورية حق لكل من ولد من أب سوري أو أم سورية.

ـ الربط بين مفهومي التنمية والعدالة الاجتماعية.

ـ اعتماد الاقتصاد التعددي الذي تقوده الدولة عبر خطط تنمية اقتصادية واجتماعية متكاملة.

ـ الملكية الخاصة مصونة ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.

ــ الصحة والتعليم وتشجيع الرياضة مكفولة من قبل الدولة.

إن هذه المهام الوطنية والطبقية (الاقتصادية والاجتماعية) والديمقراطية مندمجة معاً اندماجاً عضوياً، مما يتطلب النضال من أجلها جميعاً، وإن أي إهمال أو إضعاف لأي من هذه الجوانب الثلاثة في حياة البلاد يؤدي عملياً إلى إضعاف الجوانب الأخرى.

إن الدفاع عن حرية الوطن واستقلاله وسيادته ووحدته أرضاً وشعباً تبقى هي القضية الأساس في أولويات النضال. وهذه المهمة تتطلب، فضلاً عن المواقف والوسائل السياسية والعسكرية، حشد الجماهير الشعبية في سبيلها، مما يستلزم مزيداً من الاهتمام بمصالح هذه الجماهير على جميع الصعد الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية.

وقد سبق لحزبنا أن استنتج في وثائقه السابقة أن جوهر الأزمة العميقة والمتعددة الجوانب التي تمر بها البلاد هي (التناقض بين الصيغة السياسية التي تدار بها البلاد منذ عدة عقود، ومتطلبات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يحتاج إليها المجتمع السوري).

إن الحرب العدوانية الظالمة على سورية لم تنتهِ بعد، وإن تحققت انتصارات كبرى على أعتى القوى الإرهابية التي عرفها العالم، إذ لا تزال هناك أراضٍ محتلة من قوات عسكرية أمريكية وحليفة لها في شمال شرقي البلاد، ولا تزال تركيا تحتل عسكرياً بشكل مباشر وغير مباشر مناطق واسعة متاخمة للحدود معها، وخاصة في عفرين وإدلب وإعزاز والباب وجرابلس وريف حلب. كما تشن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها حرباً اقتصادية شرسة على سورية، تشمل حصاراً اقتصادياً خانقاً يهدف إلى شلّ مختلف نشاطات الدولة، ويحرم شعبها من أبسط متطلبات الحياة الإنسانية، مما يؤثر بشكل مباشر على حياة ملايين السوريين ومعيشتهم.

إن أحد المخاطر الأساسية في استمرار هذا الواقع، لجهة بقاء قوى عسكرية أجنبية مختلفة تتوازع الاحتلال لمناطق واسعة من الأراضي السورية، هو أن يتحول ذلك إلى شكل من أشكال التقسيم الجغرافي للوطن السوري.

كما لا يمكن اعتبار أن محاربة الإرهاب والإرهابيين في سورية قد حُسمت بالانتصار عليهم عسكرياً، فالقضية أكبر وأعمق من القضاء على الآلاف منهم ودحرهم كمقاتلين من معظم الأراضي السورية، رغم أهمية هذا الجانب من الحرب. إن الجانب الأكثر أهمية في هذه المعركة هو محاربة المنابع الفكرية للإرهاب من جهة، ونشر الفكر التقدمي والعلماني من جهة أخرى، مما يتطلب إشاعة المناخ الديمقراطي في البلاد وتوسيع الحريات للقوى التقدمية والعلمانية، كي تتمكن من القيام بدورها المفترض في هذا المجال. وفي الوقت ذاته، لا بدّ من مواجهة محاولات تهميش الاصطفافات السياسية الوطنية التي تشكل قاعدة العمل السياسي والديمقراطي، وكذلك مواجهة السعي لإنشاء تخندقات دينية وطائفية وقبلية وعشائرية مما يشكل خطراً على الوحدة الوطنية في البلاد.

كما تتطلب محاربة القوى الإرهابية القضاء على الحاضنة الاجتماعية لنمو وترعرع هذه المجموعات، وهذه الحاضنة تتمثل بالتخلف والجهل والفقر، وكذلك بالتفاوت الطبقي وبتفشي البطالة والفساد وغير ذلك.

إن الحرب في سورية وعليها، ورغم أنه كان للأسباب والعوامل الداخلية دورٌ أساسي في هذه الحرب، إلا أن تدخُّل قوى إقليمية ودولية عديدة فيها منذ بداياتها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً، وسيطرة كثير من هذه القوى على قواعد ومناطق هامة من الأرض السورية، صبغ الصراع بطابع خارجي أصبح من المستحيل معه التوصل إلى حل نهائي للصراع دون اتفاق أو توافق بين معظم الأطراف الفاعلة فيه. إن بين هذه القوى مصالح كبرى متعددة الجوانب، وبينها أيضاً خلافات جدية وعميقة، ولذلك فإن مواقفها من القضية السورية تتقاطع في بعض الأحيان، وتتباين في أحيان أخرى، وكل منها يسعى لفرض رؤيته حول الحل المنشود وفق ما ينسجم مع مصالحه. ومن البدهي أنه لا يُنتظر أن تكون المواقف من جميع القضايا متطابقة حتى بين حلفاء سورية، أو بين بعضهم من جهة وسورية من جهة أخرى. وتأخذ قضية الصراع حول إعادة إعمار سورية حيزاً كبيراً وهاماً في تصور كل من هذه القوى والدول ومطامحها حول آفاق التطور المقبل في سورية.

إن هذا الواقع هو الذي أخر ويعرقل حتى الآن التوصل إلى حلٍّ للصراع الدائر، يضمن مصلحة الشعب السوري الذي لا يزال يدفع الأثمان الباهظة، وخاصة على الصعيد الإنساني، كلما تأخر التوصل إلى هذا الحل.

ويبقى من جهة أخرى أن إسرائيل هي الرابح الأكبر من استمرار هذا الأوضاع.

ومن الواضح أن القوى المعادية لسورية تطمح اليوم، عبر الضغوط السياسية والاقتصادية وخاصة من خلال الحصار الاقتصادي والعقوبات المتنوعة الأشكال التي تُفرض على سورية وحلفائها، إلى تحقيق ما عجزت عنه من خلال الحرب والوسائل العسكرية،

مما يتطلب متابعة الصمود والمعركة، لعدم السماح لها بأن تحقق أهدافها تلك. ونحن نرى أن أي حل يجب أن يكون في المحصلة سورياً_ سورياً، وفق ما يضمن مصلحة الشعب السوري الذي له كامل الحق في تحرير كل شبر من أراضيه المحتلة بجميع الوسائل المتاحة.

لقد أكد حزبنا منذ بداية الأزمة السورية أن الحل النهائي للصراع لا يمكن أن يكون عسكرياً رغم الأهمية القصوى لهذا الجانب في مواجهة القوى المعادية على اختلاف أنواعها ومكوناتها، خاصة بسبب ما تلقاه من دعم غير محدود من القوى الخارجية الإقليمية والدولية المحركة لها؛ إذ لا بد من أجل حسم الصراع لمصلحة الشعب السوري من التوصل أخيراً إلى حل سياسي يضمن استقلال الدولة السورية ووحدتها أرضاً وشعباً، في مواجهة جميع محاولات التفرقة أو التقسيم على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية، ويضمن أيضاً حق المواطنين السوريين في اختيار نظامهم السياسي وقادتهم، بالاستناد إلى دستور ديمقراطي.

حول الأقليات القومية: لقد تكون النسيج الوطني والاجتماعي للشعب السوري عبر التاريخ من العديد من الإثنيات والأديان والثقافات التي شكلت فسيفساء متماسكاً ضمن إطار الدولة السورية. وقد صمد هذا الانسجام والوحدة بين هذه المكونات في مواجهة جميع محاولات التجزئة والتقسيم، سواء قبل الاستقلال أم بعده. وكانت هذه الوحدة الوطنية الراسخة أحد العوامل الأساسية في قوة الشعب السوري وصموده تجاه الأعداء الأساسيين لشعبنا: الإمبريالية الأمريكية وحلفائها والصهيونية، وجميع قوى التآمر والعدوان الخارجي والإرهاب الداخلي.

إن أحد أهم عناصر ضمان استمرار هذا التلاحم الوطني هو قيام الدولة على قواعد ثابتة من الديمقراطية السياسية، المبنية على أسس المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن الانتماء الإثني أو الديني أو الطائفي. وعلى قاعدة وحدة الدولة السورية أرضاً وشعباً.

إن الشعب الكردي في سورية جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني والاجتماعي للشعب السوري، شأنه في ذلك شأن جميع روافد الشعب السوري من عرب وسريان وآشوريين وكلدان وشركس وأرمن وغيرهم، مما يتطلب ضمان الحقوق الثقافية والاجتماعية للجميع في إطار المواطنة والمساواة والتكافؤ في الدستور، وبضمن ذلك تعلّم لغتهم القومية والحفاظ على تراثهم القومي والفكري وعاداتهم وتقاليدهم الشعبية.

إن حزبنا يرفض ويدين محاولات بعض قادة عدد من المنظمات التآمر مع العدو الخارجي ضد الدولة السورية بذرائع مختلفة، الأمر الذي يهدد أمن الدولة السورية ووحدتها. إن جميع القضايا في المنطقة يجب أن تُحلّ باتجاه تحرير جميع الأراضي التي تحتلها القوات الأمريكية والغربية والتركية، في إطار الحوار السوري السوري، وعلى أساس المواطنة وقاعدة حل قضية الديمقراطية في البلاد.

إننا نرى أنه لابد من تطوير قانون الإدارة المحلية على نحو يأخذ بالحسبان القضايا المتعلقة بالمتطلبات والحاجات المحلية لجميع المحافظات السورية، على أسس من المساواة والتكافؤ، مع التأكيد على وحدة الدولة السورية ورفض أي شكل من أشكال التجزئة أو التقسيم مهما اتخذ من التسميات.

حول الإعلام: تحول الإعلام، في عصر القطب الأمريكي الأوحد، إلى شريك فعلي في تنفيذ المخططات التي تُرسم في الدوائر السياسية للإمبريالية الأمريكية والصهيونية وشركائهما الأوربيين، بهدف الهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي العالمي. وقد عمدت الإمبراطوريات الإعلامية العالمية إلى استغلال وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في تهيئة المناخ الملائم لهيمنة قوى الاستعمار الجديد على مقدرات الشعوب.

وقد شكلت الجبهة الإعلامية خلال الحرب السورية منذ بدايتها معركة لا تقل أهمية عن الجبهات السياسية والعسكرية التي جرت حول سورية. فقد استُخدم القصف الإعلامي الممنهج في السعي بمختلف الوسائل على فبركة الأحداث وتصنيع الأكاذيب، بغية تكوين رأي عام داخلي وعربي وإقليمي وعالمي داعم ومبرِّر للهجوم الإمبريالي على الدولة السورية، وبهدف دعم الإرهابيين وتزوير آراء الفئات الشعبية الوطنية ومواقفها.

واليوم، وإذ انتقلت الحرب السورية إلى مرحلة جديدة، نعتقد أن للإعلام السوري أهمية بالغة فيها. مما يتطلب إعادة النظر بالأسس التي ارتكز عليها هذا الإعلام منذ عقود، وتحويله من (إعلام دولة) أحادي إلى (إعلام مجتمع) تعدّدي، يعبّر عن تطلعات فئات الشعب السوري المختلفة، ويؤمن بالحوار، ويعترف بالآخر، ويتسم بالمصداقية والشفافية، وتساهم فيه جميع القوى السياسية والمجتمعية. ويهدف هذا الإعلام في المرحلة الاستثنائية القادمة إلى تكوين رأي عام وطني متمسك بالحفاظ على السيادة الوطنية، ووحدة البلاد أرضاً وشعباً، ومعادٍ للإمبريالية والصهيونية، وفي مواجهة الإرهاب، ومن أجل مصالحة وطنية شاملة، محارب للفساد الكبير والصغير، ومؤيد لمبدأ العدالة الاجتماعية، ومدافع عن حقوق المواطنين السياسية والاجتماعية، ومساند للتوجه نحو بناء مستقبل سورية الديمقراطي العلماني.

إن تحقيق هذا الهدف يتطلب:

تعديل قانون الإعلام، بما يضمن الحرية والفاعلية لوسائل الإعلام بمختلف أشكالها. وعلى نحو يتلاءم مع العمل على توسيع الديمقراطية السياسية في البلاد من ناحية، ومع تطور وسائل الاتصالات الحديثة في العالم. وجعله إعلام مجتمع بدلاً من إعلام حكومة.

2 ـ فتح المجال أمام جميع القوى السياسية والاجتماعية الوطنية، لاستخدام وسائل الإعلام الحكومية ودعم صحافة وإعلام الأحزاب الوطنية التي لعبت دوراً رئيسياً في دعم مواجهة سورية لغزو الإرهابيين، وساهمت في تكوين رأي عام وطني معاد للإرهاب.

مهمة تحرير الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال الأمريكي وحلفائه في شمال شرق سورية والتركي في الشمال السوري المهمة الأكثر إلحاحاً

 

* حول المرأة:

كان للنساء السوريات نصيبٌ كبير إن لم يكن الأكبر، وكذلك للأطفال، من المعاناة خلال الحرب السورية، وقد كان منهن مئات الشهيدات وألوف الأرامل والثكالى، وقاسين من الفقر والمجاعة والتهجير والتشريد داخل الوطن وخارجه. واضطررن نتيجة فقدان الرجل المعيل إلى العمل، لتأمين لقمة العيش في مجالات صعبة وشاقة، وأحياناً غير لائقة.

يولي الحزب الشيوعي السوري اهتماماً خاصاً بموضوع المرأة منطلقاً من أنه لا يمكن بناء مجتمع متقدم اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، إذا كان نصفه يرسف بقيودٍ تغلّ حريته وتشلّ قدراته.

ويرفض الحزب كل أشكال التمييز في المجتمع على الأساس البيولوجي بين الرجال والنساء، ويربط العلاقات فيه بالأسس الطبقية، كما اعتبر أن تحرر المرأة مرتبط بالتحرر من الاضطهاد الطبقي من ناحية، وإشاعة الديمقراطية في البلاد من ناحية أخرى.

كما اعتبر أن عمل المرأة في الأمومة مهمة مجتمعية شاملة لا أنثوية فقط. ويؤكد حزبنا أن عمل المرأة المنزلي هو عمل منتج للثروة، بكل ما يترتب على ذلك من حقوق.

إن أبرز المهام التي يضعها الحزب، في مجال عمله السياسي والثقافي، هي مناصرة المرأة لنيل حقوقها وتشجيعها على المساهمة في النضال جنباً إلى جنب مع الرجل من أجل التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي.

فرغم كل ما تحقق للمرأة في بلادنا وما أثبتته من جدارة وتفوق على الأصعدة كافة، إلا أنه لا نزال نحتاج إلى كثير من الإجراءات العملية، ومنها تطوير القوانين والتشريعات (قانون الأحوال الشخصية) بما يتناسب مع تطور العصر، وتغيير المفاهيم والمعتقدات التي تنتقص من حقوق المرأة في مجالات التعليم والعمل والإرث والزواج والطلاق، وتعديل القوانين التي تهضم حقها في الحصول على الأجر المتساوي مع الرجل للعمل المتساوي، وخاصة في القطاع الخاص والزراعة، وإقرار قانون عصري للأحوال الشخصية للأسرة السورية تُلغى فيه جميع المواد التمييزية، وخاصة حق منح جنسيتها لأطفالها، وكذلك تطوير نوعي لبرامج الرعاية الصحية التي تكفل صحة الأم والطفل، وتوفير خدمات عالية الجودة لضمان الأمومة الآمنة، وتطوير لشبكات الخدمات الاجتماعية ورياض الأطفال والتعليم ومحو الأمية، والتمثيل المناسب في مختلف مؤسسات المجتمع.

حول الشباب: كان للشباب الدور الأكبر في الدفاع عن الوطن طوال مرحلة الحرب على سورية، وسقط عشرات الألوف منهم ضحايا بين شهيد وجريح ومعاق. كما استهدفت القوى الظلامية والإرهابية هذه الفئة بغية جذبها إلى صفوفها وتجنيدها في مجموعاتها المسلحة.

ومن الطبيعي أصلاً أن تسعى جميع القوى والأحزاب السياسية في البلاد إلى جذب فئة الشباب وأدلجتها واستقطابها، لأنها الفئة الأكثر حيوية وقدرة على العطاء والإنتاج والإبداع.

إن واقع الشباب السوري الحالي لا يمكن عزله عن الأوضاع التي كانت سائدة خلال المراحل السابقة، فقد عانى الشباب حالةً من انسداد الأفق أمامهم تجاه المستقبل، نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة حتى ما قبل اندلاع الحرب الحالية، وخاصة تراجع النشاط السياسي في البلاد ومنه النشاط الخاص بالقوى السياسية الأساسية، وانخفاض إمكانيات متابعة الدراسة وخاصة التعليم الجامعي، وانتشار البطالة في أوساطهم، والصعوبات البالغة في إمكانيات بناء أسرة وحياة لائقة.. وغير ذلك، ما نجم عنه ابتعاد معظم الشباب عن النشاط السياسي والاجتماعي، والتوجه نحو انتماءات أخرى دينية وطائفية وأصولية، أو عدمية لا مبالية، وتفشت خلال الحرب أمراض خطيرة كانتشار أنواع مختلفة من الجرائم والمخدرات والدعارة وغيرها. كما اتسعت دائرة الساعين إلى النزوح داخل البلاد أو الهجرة خارجها كأحد المخارج أو الحلول الفردية، مما يؤدي إلى خسارة البلاد لأهم قواها المنتجة وخاصة من المثقفين وخريجي الجامعات.

وإذا كانت قضايا الشباب ومعاناتهم تعد جزءاً لا يتجزأ من مجمل قضايا البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن معاناة سائر فئات الجماهير الأخرى، وإذا كانت معالجة هذه القضايا ترتبط وتتوقف على حل تلك القضايا وفق ما طرحناه في أكثر من مكان في هذا التقرير، إلا أنه ونظراً لتميُّز أوضاعهم وخصوصيتها، باعتبارهم الفئة التي سيبنى على كاهلها مستقبل بناء الوطن، يتطلب إالأمر من المجتمع إيلاءها اهتماماً أكبر ، والتركيز بشكل خاص من قبل الدولة والأحزاب السياسية في البلاد على نشر الوعي الوطني والتقدمي والعلماني بين صفوفهم سواء من خلال وسائل الإعلام، أم من خلال مناهج التعليم على جميع المستويات. وكذلك إفساح مجال أرحب أمامهم للتعليم وخاصة الجامعي من جهة، ومحاربة البطالة في صفوفهم بإيجاد فرص عمل أكبر أمامهم من جهة أخرى.

 

في المهام:

إن جميع هذه الوقائع تطرح أمام بلادنا اليوم مهام عديدة هامة معقدة ومترابطة:

1ـ متابعة مجابهة العدوان الإمبريالي الصهيوني العثماني وتحرير جميع الأراضي السورية المحتلة سواء من إسرائيل أم من القوات الأمريكية وحلفائها، أم من تركيا العثمانية، أم من العصابات الجهادية والإرهابية الأخرى، والاستمرار في مكافحة الإرهاب بمختلف صوره، بجميع الوسائل. والتصدي لأي نوع من مخاطر تقسيم للوطن أو تجزئته أرضاً وشعباً، واعتبار هذه المهمة ذات الأولوية في المرحلة الحالية.

2 ـ تهيئة جميع الوسائل والسبل لتحرير الجولان المحتل، والوقوف في مواجهة جميع المحاولات الأمريكية والإسرائيلية نزع هويته السورية عنه.

3 ـ العمل من أجل التوصل إلى حل سياسي للقضية السورية يضمن استقلال الدولة السورية ووحدتها أرضاً وشعباً، في مواجهة جميع محاولات التفرقة أو التقسيم على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية.

4 ـ معالجة القضايا المتعلقة بحياة الجماهير الشعبية، بما يضمن رفع مستوى معيشتها، من خلال زيادة دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والرعائي وتحقيق التنمية الشاملة، بما يحقق العدالة الاجتماعية.

5ـ إجراء تغيير عميق في بنية النظام السياسي بغية الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية تعددية علمانية وتقدمية، في توجه نحو المجتمع الاشتراكي تقوم على أساس المواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

6 ـ إيلاء القضايا والجوانب الإنسانية، وخاصة ما يتعلق منها بأوضاع النازحين والمهجرين وضحايا الحرب من أسر الشهداء والمعوقين والأطفال المشردين وغيرهم، مزيداً من الاهتمام والرعاية.

إننا نرى أن العمل من أجل تحقيق هذه المهام يتطلب قيام حركة شعبية ديمقراطية تقدمية، لمواجهة الفكر التكفيري من ناحية، والفكر الليبرالي من ناحية أخرى، كما أننا ندعو إلى عقد مؤتمر وطني عام يضم جميع مكونات الشعب السوري وقواه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بهدف طرح الأسس والوسائل العملية لإنجاز المهام المطروحة أمام البلاد، وحشد جميع القوى الوطنية في سبيل ذلك.

إننا على ثقة تامة بأن الشعب السوري الذي خاض هذه الحرب على مدى ما يقرب من تسع سنوات، ببسالة منقطعة النظير، وقدم خلالها بجميع قواه الحية ومكوناته وشرائحه ما لا يمكن تقديمه من تضحيات على جميع الأصعدة، سيتابع معركته حتى النهاية من أجل تحقيق الانتصار الناجز على جميع قوى العدوان والإرهاب، وتحقيق أهدافه في مجتمع الحرية والكرامة والتقدم والرفاه والعدالة الاجتماعية.

 

الوضع الاقتصادي والاجتماعي: مكافحة الفساد واجتثاثه معركة طبقية وسياسية واجتماعية وإنسانية في آن واحد

 

الفصل الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي

تباينت تأثيرات التطورات السياسية والعسكرية التي حدثت خلال الفترة المنصرمة على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فقد كانت إيجابية في بعض النواحي، وسلبية في نواحٍ أخرى. من أهم النتائج الإيجابية عودة أعداد من النازحين والمهجرين إلى مدنهم وقرانهم، والبدء بإعادة تأهيل ما يمكن من البنى التحتية والخدمات، وإعادة تأهيل وتشغيل العديد من المنشآت الصناعية، وعودة استثمار مساحات إضافية من الأراضي الزراعية، وزيادة الإنتاج من المحاصيل الزراعية وبشكل خاص القمح. إضافة إلى تحسن نسبي في توليد الكهرباء وإنتاج النفط والغاز نتيجة الاكتشافات الجديدة أو صيانة الآبار التي تمت استعادتها وتشغيلها، ما أدى إلى تحسن محدود في الوضع النفطي وانخفاض نسبة الاعتماد على المصادر الخارجية في توفير كميات من النفط الخام والمشتقات النفطية المستوردة. يضاف إلى ذلك فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، والعمل على فتح معبر البوكمال مع العراق، ما يساهم في تسهيل عبور البضائع من سورية وإليها، وتحقيق وفورات ملموسة في التكاليف والزمن لنقل الصادرات والمستوردات.

إلا أن التحسن النسبي الذي تحقَّق لم ينعكس بالشكل المطلوب على العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بسبب ضعف أداء الحكومات المتعاقبة، وعدم تنفيذها الوعود التي كانت تطلقها، وعدم أداء واجباتها بالشكل المطلوب. وقد تمثّل ذلك كله بالتأخر والبطء في الإجراءات الواجب اتخاذها أحياناً، والتسرع في اتخاذ قسم منها أحياناً أخرى، وإصدار عدد من التشريعات والقرارات الأخرى التي تأخر تطبيقها أو ما زالت بانتظار التنفيذ. كما لا تزال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والآلاف من المنشآت الإنتاجية والخدمية الخاصة والعامة خارج العمل والإنتاج. وما يزال العديد من المدن والمناطق السكنية التي تمت استعادتها غير متاحة لدخول أصحابها إليها، أو أنهم غير قادرين على إعادة تأهيلها بسبب ضخامة حجم الأضرار التي لحقت بها، وتأخر صرف التعويضات لهم، وعدم منحهم القروض اللازمة لعملية إعادة التأهيل والتشغيل لمنشآتهم الإنتاجية. لكن الأهم في هذا المجال هو توجُّه السياسات الحكومية بشكل واضح نحو السياسة الليبرالية، بذريعة المقاطعة والحصار وفرض العقوبات الاقتصادية وتراجع الموارد، وايصال الدعم لمستحقيه، وترشيد الإنفاق الحكومي. وهو ما تجلى بشكل واضح برفع أسعار المواد والخدمات الأساسية، كالخبز والمشتقات النفطية، وزيادة الرسوم والضرائب. يضاف إلى ذلك تراجع الإنفاق الاستثماري العام، وضعف إدارة الاحتياطي الوطني من القطع الأجنبي، ما أدى إلى انخفاض كبير في قيمة العملة الوطنية تجاوز في بعض الأحيان أكثر من 12 ضعفاً من قيمتها في بداية الأزمة، وما نجم عن ذلك من ارتفاع كبير في الأسعار.

كما شهدت البلاد استمرار تدنّي المستوى المعيشي للمواطنين، وازدياد حدّة البطالة والفقر، وحرمان مئات الآلاف من الأطفال من التعليم، وتراجعاً واضحاً في الخدمات الصحية، وعودة العديد من الأمراض التي سبق أن تم القضاء عليها، وانتشار العديد من المظاهر السلبية الغريبة عن المجتمع السوري، كالقتل والخطف والدعارة وغيرها، مع اشتداد حالة النزوح والهجرة وخاصة بين الشباب والكفاءات العلمية والمستثمرين. وقد أدى نقص اليد العاملة وخاصة في المدن والمناطق الرئيسية، كدمشق وحلب، إلى اللجوء إلى عمالة النساء والأطفال وكبار السن لسدّ هذا النقص من ناحية، واضطرار هؤلاء العمال والعاملات لمثل هذه الأعمال، للمساهمة في سدّ ما يمكن من احتياجات أسرهم الضرورية.

ومنذ الربع الأخير من عام 2018 تشهد سورية أزمات خانقة ومتكررة في الكهرباء والمحروقات، وارتفاعاً مستمراً في سعر القطع الأجنبي ما أدى إلى ارتفاع اضافي في أسعار العديد من السلع، وبروز حالة غير مسبوقة من الاستياء الشديد لدى شرائح واسعة من المواطنين. في الوقت الذي تقوم فيه الجهات الحكومية المعنية بإرجاع سبب ما يحصل إلى الحصار واشتداد إجراءات المقاطعة والعقوبات المفروضة عليها. وهي مبررات قائمة، لكنها لم تعد مقنعة أمام ضرورة اتخاذ الإجراءات والتدابير الاحتياطية المبكرة لتجاوز هذه الأسباب، التي ماتزال تتكرر بهذا الشكل أو ذاك بين فترة وأخرى في كل عام.

 

الزراعة :

شهد القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني خسائر كبيرة. فقد تعرضت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة للضرر والتخريب، إضافة إلى مرافق التصنيع والتخزين والآليات الزراعية والمباني ومرافق الري وحظائر المواشي والمداجن، علاوة على الارتفاع الكبير في أسعار المستلزمات الزراعية وصعوبة الحصول عليها (بذار، أسمدة وأدوية ومبيدات، وقود لتشغيل مضخات الري، …الخ) بسبب وقف الدعم الحكومي لها أو تخفيضه، وارتفاع أسعارها. يضاف إلى ذلك كله الجفاف في السنوات التي سبقت 2019، وصعوبة وصول الفلاحين والمزارعين إلى أراضيهم للعناية بها وجني محاصيلها، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في حجم الإنتاج الفعلي والمسوّق من العديد من المحاصيل الأساسية، وفي مقدمتها القمح والقطن والفستق الحلبي والزيتون والشوندر السكري، التي تشكل مدخلات إنتاج للعديد من الصناعات الغذائية والنسيجية. إضافة إلى التأخر في معالجة مشاكل تسويق الحمضيات وتصنيع العصائر في الساحل لاستيعاب الإنتاج الكبير من هذه المنتجات. وقد أدى التأخر في تسعير بعض المحاصيل الاستراتيجية، وعدم تحديد سعر مشجع على إنتاجها، إلى تحوّل العديد من المزارعين إلى زراعة منتجات أخرى تؤمّن دخلاً أفضل لهم، كما هو الحال في إنتاج الشوندر السكري في سهل الغاب. وتُقدر القيمة الإجمالية للخسائر والأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي خلال سنوات الأزمة بحوالي 16 مليار دولار أمريكي على الأقل، مُسجّلة في ست محافظات (الحسكة والرقة وريف دمشق ودير الزور ودرعا وإدلب) القيمة الأكبر من الضرر والتي تجاوزت مليار دولار لكل منها. وقد كانت حصة المحاصيل الحولية من الضرر هي الأكبر حجماً، تليها الثروة الحيوانية من حيث قيمة عدد الحيوانات النافقة، وتأتي المحاصيل المعمرة في المرتبة الثالثة من حيث قيمة الأشجار المثمرة. كما قدرت أضرار مزارع الأشجار المثمرة لمحافظات ريف دمشق- درعا- حلب- الرقة بحوالي 730 مليون $ ولأسباب مختلفة، إضافة إلى أضرار قص الأشجار واستخدامها للتدفئة، وهذه الأضرار لم تُقدَّر بعد. كما قُدِّرت أضرار الثروة الحيوانية بنحو 5.5 مليارات دولار، وقدرت أضرار الثروة السمكية بنحو 80 مليون $ لمحافظات إدلب- حماه- الرقة، مما أدى إلى تراجع معدل نمو الناتج المحلي لقطاع الزراعة بمعدل وسطي 12% خلال الفترة 2010- 2016. وقد أثرت كل هذه الأمور على أوضاع الأسر الريفية اقتصادياً واجتماعياً، مما أجبر العديد منها على الهجرة من أراضيها ومناطقها، للبحث عن مصدر آخر للدخل في مناطق وبلدان أخرى.

وفي صيف هذا العام، وبعد موسم أمطار جيد، شهدت مختلف المناطق الزراعية في سورية حرائق واسعة، عادية ومفتعلة، أدّت إلى خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية وخاصة القمح. ولم تنحصر الخسارة بحجم المحصول المحترق وحسب، بل بضرورة تعويضه بالاستيراد أيضاً، وخسارة المزيد من القطع الأجنبي لهذا الغرض. وتشير التقديرات إلى أن حجم المساحات التي تعرضت للحرائق في سورية تقدر بأكثر من 60 ألف هكتار. ونظراً لأن صندوق الكوارث لا يشمل تعويض الفلاحين الذين تعرضت أراضيهم للحرائق، فإن الأمر يتطلب من الجهات الحكومية المعنية ايجاد صيغة للتعويض على الفلاحين الذين تعرضت محاصيلهم للحرائق.

إن إعادة توفير الأمن الغذائي للسوريين يتطلب إبقاء الأولوية لمعالجة الأوضاع المؤسفة التي وصل إليها القطاع الزراعي، بشقّيه النباتي والحيواني، واعتماد السياسات اللازمة لتحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن، وفي مقدمة ذلك مراجعة السياسات الزراعية التي انتهجتها الحكومة قبل الأزمة وخلالها، وما نجم عنها من تراجع دور الزراعة. يضاف إلى ذلك تسهيل عودة المهجرين وتمكينهم من إعادة استثمار أراضيهم ومنشآتهم الإنتاجية، وصرف التعويضات وتقديم القروض والتسهيلات اللازمة لجهة توفير مستلزمات الإنتاج من البذار والأدوية والمحروقات وغيرها، وإعادة تأهيل أنظمة الري والسدود وتشجيع الانتقال إلى الري الحديث، والتركيز على استثمار البادية السورية، وتوفير الآليات الزراعية بأسعار مقبولة، وتحديد أسعار مجزية للمحاصيل التي يتم تسويقها من قبل الدولة وبالوقت المناسب، والعدول عن الاستمرار في تأجير الأراضي للفلاحين وتمليكها لمن يستثمرها، وإجراء إصلاح جذري لأوضاع القطاع التعاوني الزراعي، وإبقاء عناية خاصة لتطوير وتنمية قطيع الأغنام والماعز، لأنه يشكل ثروة وطنية وتصديرية هامة.

 

الصناعة :

أدت الحرب إلى زيادة حدة المشاكل والصعوبات التي تواجه الصناعة السورية نتيجة التدمير والنهب والتخريب لآلاف المنشآت الصناعية، وهجرة ونزوح العديد من العاملين والفنيين والصناعيين والحرفيين، وتراجع إنتاج مستلزمات الإنتاج الزراعية، وارتفاع سعر القطع الأجنبي وتكاليف النقل والاستيراد والتصدير وعبور الحواجز والترفيق، ما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى إجراءات المقاطعة والحصار وصعوبة التصدير ونقص التمويل وانخفاض الطلب الداخلي.

ومنذ عام 2015 شهد القطاع الصناعي بعض التحسن، تمثل بعودة أعداد متزايدة من المنشآت الصناعية والحرفية إلى العمل والإنتاج. وقد ساهمت استعادة شرق حلب والغوطة الشرقية وأجزاء من المحافظات الأخرى الجنوبية والوسطى، والتحسن النسبي في أوضاع الكهرباء والمحروقات في عدد من المدن والمناطق الصناعية، ساهمت في تشجيع عملية إعادة تأهيل العديد من المنشآت الصناعية وتشغيلها، إضافة إلى اقامة منشآت جديدة واستمرار عمل المنشآت الصناعية في المدن والمناطق الآمنة. وقد قامت الجهات الحكومية المعنية بإعادة تأهيل ما أمكن من البنى التحتية في تلك المناطق، واتخاذ عدد من القرارات والإجراءات المساعدة في هذا المجال. في حين تولى الصناعيون والحرفيون تمويل إعادة تأهيل وتشغيل منشآتهم بإمكانياتهم الذاتية، بسبب تأخر صرف التعويضات لهم، وانخفاض نسبتها، وتغطيتها للمباني دون الآلات، وبسقف 10 ملايين ل.س. وتشير آخر البيانات الرسمية أن حوالي 60% من المنشآت الصناعية التي كانت تعمل في عام 2011 قد عادت للعمل والإنتاج، ما ساهم في سد النقص في عدد من المنتجات الصناعية، وخاصة تلك التي تعتمد على المنتجات الزراعية، والعودة إلى تصدير العديد من المنتجات الغذائية والنسيجية إلى عدد من البلدان العربية والصديقة.

إلا أنه، على الرغم من التحسن النسبي في أوضاع القطاع الصناعي، واتخاذ الجهات الحكومية المعنية عدداً من الإجراءات والتدابير التي شجعت على ذلك، إلا أن هذا القطاع ما يزال يعمل بنسبة متدنية من طاقته الإنتاجية. وما تزال مشاكل وصعوبات عديدة تواجه عملية تعافيه وانطلاقته من جديد، وتعيق عودة المنشآت التي ما تزال متوقفة حتى الآن إلى العمل والإنتاج. فإضافة إلى العقوبات الاقتصادية وما نجم عنها من صعوبات في التمويل والنقل والاستيراد والتصدير، ما ساهم في رفع كلفة الإنتاج وزمن وصول مستلزماته وتوفره في السوق المحلية والأسواق المستهدفة، ما تزال مسألة توفير التمويل اللازم بشروط ميسرة، وتأمين مصادر دائمة ومدعومة للطاقة، ونقص الأيدي العاملة الفنية، وانتشار التهريب وتزوير المنتجات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، ما تزال تساهم بشكل واضح في إعاقة توفير المتطلبات لرفع نسب تشغيل المنشآت العاملة حالياً، وإعادة تشغيل المنشآت الصناعية الأخرى وتطويرها.

كما لايزال القطاع العام الصناعي يعاني من مشاكله المزمنة المعروفة، إضافة إلى المشاكل الجديدة التي برزت نتيجة الأزمة، وفي مقدمتها التدمير الكبير الذي أصاب العديد من منشآته، وارتفاع تكاليف إعادة تأهيلها وتشغيلها، وعدم رصد الاستثمارات اللازمة لذلك، إضافة إلى نقص اليد العاملة الفنية في عدد من المعامل، وتضخّم أعدادها في معامل أخرى، وضعف بيئة العمل الإدارية والتنظيمية والإنتاجية والمالية التي يعمل ضمنها، والتأخر الواضح في معالجتها وتوفيرها، بما ساهم في زيادة تعقيد أوضاع القطاع العام، فأصبحت ذريعة واضحة وغير خافية يجري استغلالها لتصفيته وخصخصته بمسميات مختلفة.

لقد أكد الحزب طيلة الفترة السابقة وما يزال يؤكد ضرورة إبقاء الأولوية للقطاعات الإنتاجبة وبشكل خاص الزراعة والصناعة، نظراً لأهمية هذين القطاعين ودورهما الكبير والهام في الاقتصاد السوري، وارتباطهما المتبادل في مجال التصنيع الزراعي وتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي.

 

الطاقة :

كان نقص الطاقة وما يزال من أهم الصعوبات التي نجمت عن الأزمة، بسبب التدمير والتخريب الذي أصاب عدداً من محطات التوليد ومراكز التحويل الكهربائية، وكذلك الآبار النفطية والغازية، وخروج قسم هام منها عن سيطرة الدولة، ما أدى إلى خسارة مزدوجة تمثلت بفوات العائد من تصدير النفط من ناحية، وضرورة تأمين الحاجة المحلية منه عن طريق الاستيراد من ناحية أخرى. فقد تراجع إنتاج النفط الخام من حوالي 385 ألف برميل يومياً قبل الأزمة، إلى حوالي 20 ألف برميل يومياً في الوقت الحاضر. وقد أمكن التوصل إلى هذا الرقم بعد إعادة تأهيل عدد من الآبار القديمة وتشغيل عدد من الآبار الجديدة. كما تراجع إنتاج الغاز من قرابة 30 مليون متر مكعب إلى حوالي 15 مليون متر مكعب حالياً. كذلك تراجع إنتاج وتوزيع الكهرباء بشكل كبير بسبب تدمير المنشآت وعدم توفر الفيول والغاز بالكميات اللازمة وتخريب العديد من محطات التحويل وشبكات النقل. وقد شهدت البلاد وما تزال تشهد أزمات متكررة ومتجددة في أوضاع الكهرباء والمحروقات، تتباين حدّتها ومدّتها بين فترة وأخرى في كل عام.

لقد لعب خروج العديد من آبار النفط عن سيطرة الدولة، والحصار المفروض على سورية، دوراً أساسياً في وجود أزمة المحروقات والكهرباء واستمرارها، إلا أنه لا يمكن إغفال ضعف الجهود الحكومية المبذولة في التغلب على هذه الأمور واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنّب هذه الأزمات المتكررة، سواء بتوفير الاحتياطي المطلوب سلفاً، أو من خلال تكثيف الجهود الحكومية والأهلية في المناطق النفطية الأساسية في الحسكة وغيرها، لتأمين أقصى ما يمكن من حاجة البلاد من هذه المادة.

إن مخاوف عديدة تبرز الآن بشكل واضح من توجُّه الحكومة نحو القطاع الخاص في عملية إعادة تأهيل القطاع النفطي الواعد والرابح، واستثماره، بذريعة عدم توفر الموارد المالية للقيام بذلك في الوقت الراهن، ما يحرم البلاد من موارد مالية هامة يمكن أن تساهم بدور هام في عملية إعادة الاعمار وخدمة المصلحة الوطنية، الأمر الذي يتطلب مراعاة السيادة الوطنية واعتماد العلنية والشفافية في كل ما يتعلق بهذا الموضوع. كما يتطلب في الوقت ذاته تشجيع الاستفادة من الطاقة البديلة، سواء في المساكن أو المنشآت الإنتاجية والخدمية، من خلال منح القروض والتسهيلات اللازمة في هذا المجال.

 

الوضع المالي والنقدي :

أدت الأعباء العسكرية والأمنية وضرورة توفير ما يمكن من الحاجات الأساسية للمواطنين من القمح والمحروقات والدواء، إلى زيادة في الإنفاق الحكومي لتغطية هذه المتطلبات. في الوقت الذي تراجعت فيه بشكل كبير الموارد الحكومية من النفط والإيرادات الأخرى، ما أدى إلى استنزاف أكثر من 75% من الاحتياطي النقدي من القطع الأجنبي، واللجوء إلى الديون والتمويل بالعجز لتغطية هذه النفقات، والبحث عن موارد إضافية من خلال فرض المزيد من الرسوم والضرائب ورفع أسعار السلع المدعومة.

وعليه شهدت البلاد حالة غير مسبوقة من التضخم أدت إلى ارتفاع سعر القطع الأجنبي إلى أكثر من 12 ضعفاً عما كان عليه في عام 2011. وقد ساهمت بعض الإجراءات والتدابير المالية والنقدية في هذا التدهور، سواء من خلال الإفراط في بيع القطع الأجنبي للعموم في سنوات الأزمة الأولى، أو في التأخر في وضع حد لنشاط المضاربين وشركات الصرافة في التعامل بالقطع الأجنبي. كما ساهمت عملية تخصيص القطع الأجنبي لاستيراد العديد من المواد غير الأساسية أو غير الضرورية في زيادة الطلب على القطع الأجنبي، إضافة إلى حالة التحوّط التي لجأ إليها العديد من المواطنين للحفاظ على مدخراتهم ومواردهم بتحويلها إلى العملة الأجنبية. كما لعب الطلب الحكومي على القطع الأجنبي لتأمين النفط والقمح والدواء، وكذلك طلب القطاع الخاص، من أجل تأمين مستلزمات الإنتاج واحتياجات البلاد من السلع الضرورية، دوراً هاماً أيضاً في زيادة الطلب على القطع الأجنبي، ما أدى أيضاً إلى ارتفاع سعره.

لقد استطاعت الجهات المعنية في فترات عديدة تحقيق خفض ملموس في سعر القطع الأجنبي، إلا أن هذه الإجراءات كانت سرعان ما تتلاشى أمام ارتفاع جديد. وقد اتسمت العديد من الإجراءات الحكومية في فترات كثيرة بالتخبط والارتجال، تارة من خلال فرض قيود على تداول السيولة المحلية، وتارة من خلال فرض قيود على الاستيراد والاستمرار في فرض سعر منخفض للحوالات الخارجية وصل في بعض الأحيان إلى ما يقرب من 180 ل. س عن سعر السوق غير الرسمية للدولار الواحد، ما أفقد وما يزال يفقد الخزينة العامة ملايين الدولارات اليومية من حوالات السوريين في الخارج إلى أهلهم.

وفي الوقت ذاته لجأت المصارف إلى خفض الفوائد على الودائع بالليرات السورية. كما وافقت الحكومة مؤخراً، وفي إطار العمل على استقطاب القطع الأجنبي المتوفر داخلياً أو الموجود لدى المصارف في البلدان المجاورة وخاصة لبنان، على إصدار شهادات ايداع بالقطع الأجنبي بفوائد تتراوح بين 3.5% و4 % و4.5%. ومما لا شك فيه أن إصدار شهادات الإيداع، سواء كانت بالقطع الأجنبي أو بالعملة الوطنية، هو إجراء اقتصادي متعارف عليه لتحقيق عدة أهداف، من أهمها توفير التمويل اللازم للخطط الاقتصادية، لكن المشكلة تكمن في نوعية المشاريع التي سيتم توظيف أموال هذه الشهادات فيها، وهل ستغطي إيراداتها حجم الفوائد التي ستتحقق عليها أم لا؟ الأمر الذي يتطلب دراسة واقعية ومعمقة للمشاريع والمجالات التي سيتم تمويلها من هذه الشهادات، وفي غير ذلك فإن مخاطر وأعباء مالية إضافية ستلحق بالاقتصاد الوطني.

إن تحسين قيمة الليرة السورية يتطلب مجموعة متكاملة من الإجراءات الاقتصادية والمالية والنقدية، في مقدمتها تشجيع الصادرات وترشيد المستوردات، من خلال إنتاج ما يمكن اقتصادياً من بدائل المستوردات، واعتماد سعر واقعي ومقبول للحوالات وقطع التصدير، واتخاذ إجراءات فعالة تجاه المضاربين والمتاجرين بالقطع الأجنبي، وتشجيع شهادات الإيداع والودائع بالقطع الأجنبي وبالليرة السورية من خلال منح فوائد مجزية. يضاف إلى كل ذلك تشجيع إقامة الشركات العامة المساهمة لجذب المدخرات المحلية. واتخاذ خطوات جدية لتطوير التعاون الاقتصادي مع الحلفاء والأصدقاء ليرتقي إلى مستوى التعاون السياسي، وبشكل خاص ما يتعلق بتطوير التبادل التجاري والتعامل بالعملات الوطنية بدلاً عن الدولار، والإسراع في وضع التسهيلات المتبادلة التي تتطلبها هذه العملية وتنفيذها.

 

البيئة :

أدت الأعمال العسكرية وغياب سلطة الدولة عن العديد من المناطق خلال سنوات الأزمة إلى تدهور خطير في الأوضاع البيئية في مختلف المناطق السورية. فقد أدت القذائف وتكرير النفط بشكل بدائي إلى تدهور كبير وخطير في أوضاع الأراضي الزراعية، وتراجع في كميات الإنتاج ونوعيته فيها وفيما حولها. كما أدى قطع مئات الآلاف من الأشجار المثمرة، سواء للأهداف العسكرية أو للتدفئة، إلى خسائر كبيرة في إنتاج العديد من المنتجات كالزيتون والفستق الحلبي والتفاح والكرز والمشمش وغيرها، ما يتطلب سنوات عديدة لتعويضها. كما أدت الأزمة إلى تعطيل العديد من الأقنية والآبار وشبكات الري ومياه الشرب وتلوثها، أو تدميرها، وهدر كميات هائلة منها نتيجة ذلك. إضافة إلى انتشار الآبار غير المرخصة في العديد من المناطق التي ضعفت فيها أو غابت عنها سلطة الدولة، ما أدى إلى تدهور الوضع المائي في تلك المناطق. ويشير تقرير «تلوث الهواء وصحة الأطفال»، الصادر عن منظمة الصحة العالمية سنة 2018 إلى أن سورية تحتل المرتبة العاشرة بين الدول العربية في تلوث الهواء. وساهم تدهور الوضع البيئي في عودة انتشار مرض اللاشمانيا والكلَب وظهور أمراض جديدة.

إن تدهور الوضع البيئي في سورية يتطلب معالجة سريعة لنتائجه، وبشكل خاص ما يتعلق بإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، سواء بتنظيفها من الألغام والقذائف ومخلفاتها وآثارها، أو من خلال إطلاق حملات تشجير وطنية واسعة ومستمرة لتعويض الأشجار المثمرة التي تم قطعها. وكذلك ضبط التعدي على المياه الجوفية واستنزافها، وترشيد استخدام المياه وضمان نوعية المحروقات والوضع الفني للمركبات.

 

إعادة الإعمار :

أخذت مسألة ما اصطلح على تسميتها: “إعادة الإعمار” في سورية تستأثر باهتمام الأطراف المحلية والاقليمية والدولية كافة، وأصبحت إحدى أدوات الضغط والمساومة السياسية والعسكرية والاقتصادية فيما يتعلق بمستقبل سورية. فالعديد من القوى والدول الإقليمية والدولية تضع شروطاً متعددة للمشاركة في هذه العملية. في الوقت ذاته الذي تسعى فيه الأطراف كافة للحصول على أكبر حصة ممكنة من هذه العملية. وربما يضعها البعض شرطاً لموافقته على وقف الحرب في سورية وعليها. وهنا لابد من التأكيد بأن مرحلة “إعادة الإعمار” في سورية لا تقتصر فقط على إعادة بناء ما تهدم أو تضرر من البنى التحتية والمرافق الخدمية والإنتاجية، بل ينبغي أن تشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة، ومعالجة النتائج والمنعكسات الاجتماعية السلبية التي سببتها الأزمة، ووضع الأسس الكفيلة بتحقيق نهضة تنموية شاملة تضمن مستقبلاً أفضل لسورية.

وهنا لابد من التأكيد مجدداً على ما بيّنه الحزب مراراً وتكراراً من أن عملية” إعادة الإعمار” هي مهمة سورية بالدرجة الأولى، ومن الضروري وجود مسح وطني عام لاحتياجات هذه العملية في مختلف المجالات والقطاعات، بمشاركة القوى السياسية والوطنية كافة، والمجتمع الأهلي والخبراء والمختصين الوطنيين، لتحديد أولويات المشاريع ومواقعها، وخاصة في المجالات الزراعية والصناعية والبناء والتشييد، وما يمكن تنفيذه محلياً منها حالياً ومستقبلاً، وماهي احتياجاتنا الخارجية من هذه المشاريع ومن هي الجهة أو الجهات الأكثر قدرة وكفاءة ورغبة في تنفيذها بأفضل الشروط والمواصفات وبأسرع وقت ممكن. والعمل على منح الأولوية في تنفيذ هذه المشاريع للمستثمرين الوطنيين والأصدقاء، مع التأكيد على الاستفادة من الدروس المستخلصة من الفترة السابقة للأزمة وخلالها، والمتعلقة بتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة بين مختلف المدن والمناطق السورية، ومكافحة الفساد، والتشدد في تطبيق الشفافية والوضوح في تلزيم المشاريع وتنفيذها، سواء في المرحلة الراهنة أو في المرحلة المستقبلية. كما أنه لابد من التأكيد على الدور الأساسي للقطاع العام في عملية إعادة البناء والإعمار، وتولّيه ملكية المرافق السيادية العامة الأساسية في البلاد وإدارتها وتشغيلها، بما يضمن خروجاً سليماً لسورية من هذه الأزمة وتجنيبها حدوث أية أزمة أخرى في المستقبل، الأمر الذي يتطلب أيضاً وضع خطة حكومية، يشارك في وضعها خبراء الاقتصاد السوريين وممثلو القطاع الخاص المنتج، تأخذ بالحسبان مبدأ الأولويات، والاعتماد على الذات قدر الإمكان.

 

الأجور والأسعار :

لم ينعكس التحسن النسبي في الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما تثبت الوقائع حتى الآن، على الأوضاع الاجتماعية بشكل ملموس. فقد كانت منعكساتُها على عودة النازحين والمهجرين والتشغيل وخفض أسعار المواد المنتجة محلياً أو المستوردة محدودةً، ومقتصرة على عدد بسيط من السلع وبانخفاض محدود ومؤقت، الأمر الذي أدى إلى استمرار تراجع المستوى المعيشي لغالبية المواطنين، بسبب ثبات الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.

إن ثبات الأجور وتراجع قدرتها الشرائية نتيجة الغلاء، إضافة إلى البطالة والنزوح وغيرها من نتائج الأزمة، قد أدت جميعاً إلى ازدياد حدة الفقر، وتراجع المستوى المعيشي للمواطنين السوريين، واستهلاك مدخرات من كانت لديه مدخرات، والاعتماد على مساعدة من يوجد من أفراد العائلة خارج البلاد. حتى أن النازحين السوريين في الخارج أصبحوا يقتطعون جزءاً من المساعدات المالية التي يتلقونها وتحويله لأهاليهم في الداخل، لمساعدتهم قدر الإمكان في مواجهة الأوضاع المعيشية الصعبة التي يواجهونها.

وتشير نتائج المسح الديموغرافي الاجتماعي المتكامل المتعدد الأغراض (2017-2018) الذي نشره المكتب المركزي للإحصاء إلى أن متوسط الإنفاق الشهري للأسرة السورية يبلغ 115.9 ألف ليرة سورية، 58.5 بالمئة منها للغذاء. وأن وسطي إنفاق الأسرة الأعلى هو في دمشق بنحو 136.8 ألف ليرة، والأقل في القنيطرة بمبلغ يزيد قليلاً على 85 ألف ليرة. في حين بلغ وسطي الإنفاق الشهري للأسرة في حلب 101.4 ألف ليرة، وفي ريف دمشق 130.4 ألف ليرة، وفي حمص 130.3 ألف ليرة، وفي حماة 95.25 ألف ليرة، وفي اللاذقية 120.4 ألف ليرة، وفي الحسكة 111.1 ألف ليرة، وفي طرطوس 130.5 ألف ليرة، وفي درعا 119.9 ألف ليرة، وفي السويداء 113.4 ألف ليرة.

وأظهر المسح، بناءً على توزع فئات العمال، بحسب الرواتب، أن النسبة الأكبر والبالغة 38.8% من إجمالي عدد العمال رواتبهم بين 35 و45 ألف ليرة سورية، بينما 28.4% من العمال رواتبهم بين 25 و35 ألف ليرة وأن 11.7% رواتبهم بين 45 و55 ألف ليرة، و7.6% رواتبهم فوق 65 ألف ليرة، و6.7% رواتبهم بين 15 و25 ألف ليرة، و5% رواتبهم بين 55 و65 ألف ليرة، و1.7% من العمال رواتبهم 15 ألف ليرة وما دون.

وبحسب التوزيع النسبي لمؤشرات الأمن الغذائي، بيّن المسح أن 28.7 بالمئة من الأسر غير آمنين غذائياً، و38.1 بالمئة معرضون لانعدام الأمن الغذائي، و33.2 بالمئة آمنون غذائياً. ولوحظ أن أعلى نسبة للأمن الغذائي كانت في دمشق بمعدل 48 بالمئة من الأسر، والأقل في حماة بمعدل 11 بالمئة، وأعلى نسبة للأسر غير الآمنة غذائياً كانت في حماة بنسبة 53.4 بالمئة، والأقل في دمشق بنسبة 16.5 بالمئة.

في الوقت ذاته، يشير تقرير آخر حول الأمن الغذائي والصراع في سورية صدر في أيار 2019، إلى ارتفاع معدلات الفقر والحرمان إلى مستويات خطيرة وصلت إلى 93.7% في نهاية عام 2017، بالاستناد إلى خط الفقر الكلي للأسرة السورية الواحدة الذي يساوي بالمتوسط 181 ألف ل.س شهرياً، في حين بلغ الفقر المدقع نحو 59.1% في العام نفسه.

وعلى الرغم من المطالبات العديدة برفع الأجور وخفض الأسعار، ماتزال الجهات الحكومية المعنية تناور في هذا المجال وتؤجله، وتربطه تارة بتوفر الموارد اللازمة لذلك من خلال تنشيط عملية الإنتاج وتعافي الاقتصاد الوطني، وتارة أخرى بالعمل على تحقيق “زيادة فعلية للأجور” لا يذهب مفعولها بعد أيام من صدورها. وعلى الرغم من المنطقية الشكلية في هذا الطرح، إلا أنه بالإمكان اللجوء إلى عدد من الإجراءات التي من شأنها رفع مستوى الأجور والقدرة الشرائية وتحسينه لأعداد واسعة من العاملين والمواطنين، على الأقل جزئياً، من خلال إعفاء العاملين من ضريبة الأجور، وتمويل زيادة الأجور من خلال زيادة الضرائب المباشرة وبشكل خاص على أصحاب الدخول والأرباح المرتفعة، ومكافحة التهريب والتهرّب الضريبي، وتوسيع مجموعة السلع المدعومة التي تشملها البطاقة التموينية وتقديمها بأسعار مخفضة وعدم حصرها بالمازوت والغاز والبنزين كما هو الوضع حالياً. يضاف إلى ذلك ضرورة اتخاذ الإجراءات الحكومية العملية والحازمة لحماية المستهلك، ومكافحة الاحتكار ورفع الأسعار، وفرض الالتزام بالأسعار المحددة والإعلان عنها. مع الإشارة إلى أن مستوى الأسعار في صالات الشركة السورية للتجارة ليس في معظم الحالات أقل من أسعار السوق، إن لم يكن بمستواها أو حتى أعلى منها أحياناً، على الرغم من الإعلان عن إلغاء عقود استثمار الصالات التابعة لهذه الشركة وتحولها إلى تاجر جملة يفترض أن يقدم السلع التي يقوم بشرائها وعرضها في الصالات التابعة على هذا الأساس.

 

الفساد:

أدت الأزمة إلى زيادة انتشار الفساد بكل أشكاله ومستوياته، وشمل المجالات والمناطق كافة. وبسبب الأزمة، دخلت مجالات جديد للفساد لم تكن معروفة أو منتشرة بالشكل الذي وصلت إليه حالياً، بدءاً من الخطف مروراً بالتهريب والغش والتزوير وتسيير المعاملات والحصول على الموافقات، وترفيق ونقل المواد الأولية والمنتجات الصناعية والزراعية والمشتقات النفطية، وصولاً إلى ترخيص المشاريع ومنح الموافقات لتلزيم العديد من المشاريع الجديدة أو تطوير الموجود منها بشكل مباشر، ودون توفير الحد الأدنى من العلنية والشفافية في ذلك. كما استمر الفساد كأداة لدى البعض في الحصول على المناصب والمواقع القيادية في العديد من الجهات العامة، ووصل إلى معرفة مكان الغائبين قسرياً والمعتقلين وحتى محاكمتهم وإطلاق سراحهم.

وقد شهدت الفترة الأخيرة بروز وجوه جديدة غير معروفة سابقاً من رجال الأعمال، إضافة إلى ازدياد دور الوجوه القديمة المعروفة ونفوذها، وقد استطاعت هذه الوجوه تحت شعار التشاركية (الذي كان حزبنا قد أبدى عليه تحفظات أساسية عديدة) الاستحواذ على عدد كبير من المنشآت الصناعية والسياحية والخدمية والتجارية والمصرفية، واحتكار توريد العديد من المنتجات الأساسية وجمعها ونقلها، كالقمح والنفط وخردة الحديد والألمنيوم…، والتعاقد على إقامة منشآت صناعية وتجارية وسياحية وسكنية جديدة بشكل منفصل أو ضمن خطط إعادة تنظيم المناطق المدمرة في دمشق وغيرها مستقبلاً، وسط تساؤلات ومخاوف كبيرة وواسعة عن مصادر أموال هذه الشخصيات، والدعم الذي تلقاه من مراكز ذات نفوذ في عدد من المفاصل الحكومية، وحصولها على مشاريع حكومية إما بالتراضي أو بإجراءات شكلية بعيدة عن الأساليب القانونية المعروفة في تلزيم مثل هذه المشاريع. إضافة إلى تفصيل عملية إصدار عدد من القرارات الاقتصادية لصالحها… ما يثير مخاوف كبيرة وجدية من بروز قوى اقتصادية جديدة ومتجددة توجِّه عملية إعادة تأهيل وبناء المرافق الأساسية في سورية لمصالحها ومصالح شركائها، على حساب مصالح الشعب السوري، بما يشبه ما جرى ويجري في هذا المجال في كل من لبنان والعراق. كما يشير ذلك إلى عدم استخلاص الدروس الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت، بهذا الشكل أو ذاك، في بروز الأزمة واستمرارها.

لقد أقرّت الحكومة مؤخراً الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2019-2020. وحددت مرحلتين لتنفيذها، بحيث تستغرق المرحلة الأولى ثلاث سنوات يتم تقييمها عند انتهائها، للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تستمر ثلاث سنوات أخرى. ومما لا شك فيه أن معالجة الفساد تتطلب برنامجاً شاملاً يغطي كل المجالات التي يشملها الفساد، إلا أن الأكثر أهمية في هذا المجال هو التنفيذ الجاد والفعلي لهذه الاستراتيجية، وعدم اقتصارها على الفساد الصغير الذي يتطور وينمو في ظل الفساد الأكبر والأوسع الذي يحتكره مسؤولون وشخصيات معروفة من أصحاب النفوذ الواسع والمتعدد الأشكال والأساليب.

إن غياب التعددية السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجالس التمثيلية المنتخبة بطريقة ديمقراطية، لعقود طويلة، شّكل بيئة صالحة لنمو الفساد بأشكاله المختلفة. إن الفساد سواء كان سببه قصور القوانين الرادعة أو تخلف الإدارة، أو الكسب غير المشروع، أو الضائقة الاقتصادية التي تعانيها الفئات الفقيرة …إلخ، يعدّ عاملاً كابحاً لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، لذلك نؤكد أهمية مكافحته بسنّ التشريعات الرادعة، بالتزامن مع إشراك ممثلي المواطنين وهيئات المجتمع المدني في القرارين السياسي والاقتصادي، والقيام بحملات دائمة لتجفيف منابعه والتشهير برموزه، ووضع البرامج التربوية والتعليمية التي تعظّم الالتزام بالقيم المجتمعية، وليس عن طريق حملات مؤقتة في هذه المؤسسة أو تلك..

إن حزبنا يعتبر مكافحة الفساد واجتثاثه معركة طبقية وسياسية واجتماعية وإنسانية في آن واحد، الأمر الذي يعني تكامل أدوار هذه الجوانب في المعالجة وعدم اقتصارها جزئياً أو كلياً على أي جانب منها.

 

إصلاح القطاع العام:

ماتزال مهمة إصلاح القطاع العام الاقتصادي تنتقل من وزارة إلى وزارة، ومن لجنة إلى أخرى. ولم تستطع اللجان التي تم تشكيلها سابقاً بخصوص إصلاح القطاع العام وكذلك الدراسات التي أجريت والقرارات المحدودة التي اتخذت في هذا الإطار حتى الآن، تحقيق الهدف المرجو منها، لأسباب عديدة، في مقدمتها عدم توفّر الإرادة الجدية لإنجاز هذه المهمة. وهو ما أدى عملياً إلى التأجيل المستمر في إنجاز هذه المهمة، وبالتالي استمرار صعوبة أوضاع القطاع العام، وازياد حدة المشاكل التي يواجهها. ما جعل مهمة إصلاحه تزداد صعوبة وتعقيداً وكلفة مع مرور الوقت وغياب الإرادة الجادة والحقيقية لتنفيذها.

وكانت آخر المحاولات الحكومية لإصلاح القطاع العام تشكيل لجنة وزارية لهذا الغرض في آذار 2017 بموجب القرار 785. وبعد قرابة السنتين قدمت اللجنة تقريرها ووافق عليه مجلس الوزراء، وقد تضمن التقرير المذكور اعتماد تصنيف أوسع لمؤسسات وشركات القطاع العام يتم في ضوئه وضع أدلة العمل اللازمة لإنجاز عملية إعادة هيكلة هذه المؤسسات والشركات التي يبلغ عددها نحو 230 جهة وفق الخيارات التالية:

  • الإبقاء على الشكل القانوني المعروف اليوم مع إعطائها القدر الكافي من المرونة في العمل من حيث القوانين والأنظمة التي تخضع لها.
  • دمجها بمؤسسات أو شركات أخرى أو تجزئتها إلى وحدات اقتصادية أصغر، وذلك تمهيداً لتحويلها إلى كيان اقتصادي.
  • تحويلها إلى كيان اقتصادي مستقل يعمل وفق آليات السوق ذي تنافسية عالية، بعد إعادة هيكلتها بحيث تنطبق عليها القوانين والأنظمة التي تنطبق على القطاع الخاص، دون وجود أي مانع من الإبقاء على ملكية الدولة كاملة عند إنجاز التحول.
  • حلّها وتصفيتها.
  • طرحها على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
  • تحويل بعض المؤسسات العامة التي تتبع لها مجموعة من الشركات (القطاع العام الصناعي أو المالي أو الإنشائي) إلى شركات قابضة تملك الشركات التابعة لها.
  • أي إجراء آخر مناسب.

وماتزال الاجتماعات الحكومية مستمرة حتى الآن لمناقشة موضوع إصلاح القطاع العام الصناعي. فقد عُقد العديد من الاجتماعات مع المسؤولين في المؤسسات الصناعية العامة لمناقشة واقع هذا القطاع وسبل معالجة مشاكله بشكل عام، وأوضاع الشركات المدمرة والخاسرة والحدية بشكل خاص. وقد تراوحت مقترحات المعالجة بين طرح هذه الشركات للتشاركية مع القطاع الخاص باختصاصها ذاته أو باختصاص جديد، أو تحويلها لشركات قابضة. وهنا لابد من التأكيد أن التأخير في تنفيذ إصلاح حقيقي وفعال للقطاع العام، يدعم تطويره ونجاحه، يشكل حجة قوية بين ايدي الذين يسعون إلى تصفية هذا القطاع وخصخصته تحت مختلف التسميات. كما أن نقل تجارب تحويل المؤسسات العامة إلى شركات قابضة، كما حدث في مصر، لا يعني نجاح عملية إصلاح القطاع العام في سورية، لأن الخلل لا ينحصر فقط بشكل المؤسسات والشركات وعلاقاتها وحسب، بل ببيئة عمل هذا القطاع بكل مكوناتها التنظيمية والمالية والفنية والتسويقية، كما أن الاعتماد على التشاركية في إعادة تأهيل الشركات المدمرة والمتعثرة، أو استثمارها، يثير المخاوف من تلزيم هذه العملية للرموز المعروفة دون الاستناد إلى الشفافية في هذه العملية لتحقيق الأهداف المرجوة منها، ما يعني خسائر كبيرة للاقتصاد الوطني لصالح تلك الشخصيات.

وفي هذا المجال، يعتبر الحزب عملية إصلاح القطاع العام مهمة وطنية رئيسية أمام الجهات المعنية كافة، وشرطاً أساسياً للمحافظة عليه وتمكينه من القيام بالدور المطلوب منه إلى جانب القطاع الخاص في عملية إعادة البناء. ويؤكد الحزب ضرورة التوافق الوطني على التوجهات الأساسية التالية لإصلاح هذا القطاع، وتكليف لجان فنية مختصة بإعداد الخطط التفصيلية لهذه التوجهات بعد اعتمادها، وتحديد البرنامج المادي والزمني لتنفيذها، وهذه التوجهات هي:

1-  التأكيد على الرغبة الرسمية الجدية لإنجاز خطة إصلاح القطاع العام خلال فترة محددة، واعتمادها رسمياً، بعد طرحها للنقاش العام.

2-  التمسك بالدور الأساسي للقطاع العام، وبشكل خاص في القطاعات والمرافق السيادية الأساسية.

3- ربط إصلاح القطاع العام بعملية إعادة تأهيل الاقتصاد السوري وتطويره، بكل مكوناته وخاصة الإنتاجية منها، بحيث يكون إصلاح القطاع العام جزءاً مكملاً ومتكاملاً معها.

4- تشكيل فرق عمل من المختصين بكل قطاع ونشاط من خارج الجهات العامة، لتقييم الوضع الراهن للقطاع العام موضوع البحث إدارياً وتنظيمياً وإنتاجياً ومالياً (التمويل والفوائض والتشابكات…) لضمان موضوعية التقييم، وتقديم مقترحات وخيارات عملية لمعالجة أوضاع المؤسسات والشركات العامة.

5- تعديل الأنظمة والقوانين الحالية التي تحكم عمل القطاع العام، في ضوء الدروس المستقاة من تطبيقها في الماضي والحاضر، مع مراعاة خصوصية كل قطاع ونشاط، وبشكل يوفر للقطاع العام البيئة القانونية والإنتاجية والمالية والتنظيمية المناسبة ليكون قطاعاً رابحاً ومنافساً وقادراً على التوسع مستقبلاً بموارده الذاتية.

6- اتباع أسلوب عصري حديث في اختيار قيادات هذا القطاع، يعتمد على الخبرة والكفاءة والنزاهة، وعدم تقييدها بالانتماءات الأخرى المتبعة حالياً، ومنحها الصلاحيات اللازمة لتحقيق الأهداف الموضوعة لمؤسسات وشركات هذا القطاع.

7-  اعتماد صيغة جديدة وعملية لمجالس الإدارة والهيئات العامة للمؤسسات والشركات العامة تكون حصراً من المختصين بعمل المؤسسات والشركات. وتتولى مجالس الإدارة والهيئات العامة المهام والاختصاصات المتعارف عليها، وبشكل خاص اعتماد السياسات والخطط ومتابعة تنفيذها وتطويرها، وترشيح وتعيين شاغلي المناصب الأساسية فيها من خلال الإعلان والمقابلات.

8-  تقييم تجارب الشركات المشتركة وكذلك عقود الاستثمار والـ BOT التي وقِّعت بين بعض جهات القطاع العام والقطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي، واستخلاص نقاط الضعف والقوة فيها لتطويرها وللاستفادة منها في المرحلة المقبلة.

9-  الاهتمام بمسألة التدريب والتأهيل من أجل تعويض النقص الموجود حالياً في اليد العاملة من حيث العدد والنوع، وكذلك لتوفير حاجة مرحلة إعادة الإعمار من اليد العاملة، لأنه لا يعقل أن يجري الاعتماد على يد عاملة خارجية في هذه العملية. الأمر الذي يتطلب رؤية خاصة لعملية التدريب، تضمن تحقيق الاحتياجات العددية والنوعية وتوفير مستلزمات ذلك من مؤسسات التدريب وبرامج التدريب والمدربين، وتوفير الحوافز المشجعة على التدريب، وعلى المحافظة على المدربين والمتدربين، وتمكينهم من تطبيق ما تدربوا عليه بشكل عملي.

10- يمكن في حالات محددة (تقترحها اللجان المختصة) أن تتم المشاركة مع مستثمرين من القطاع الخاص المحلي أو الخارجي لتمويل عملية استبدال نشاط بعض الشركات أو تطوير بعض الشركات الحدية أو المتعثرة إدارياً وفنياً وتسويقياً، أو إقامة صناعات جديدة ضرورية وهامة لعملية إعادة الإعمار، من خلال عقود خاصة أو بالمشاركة أو بالطرح للاكتتاب العام للجمهور أو الجهات العمومية (النقابات المهنية، صناديق التوفير، التأمينات الاجتماعية…) بعد تقييم موضوعي ودقيق لموجودات الشركات المعنية. وعلى أن تتم عملية المشاركة حصراً من خلال الإعلان واستدراج العروض لهذه الغاية، للحصول على أفضل العروض وتأمين الشفافية والنزاهة والمصلحة العامة في دراستها وتلزيمها.

ومما لا شك فيه، ان عملية إصلاح القطاع العام، بوضعه الحالي، عملية مؤلمة ولا يمكن أن تتم بلمسة سحرية دون بعض الآثار السلبية الجانبية. لذلك يجب الاستعداد مقدماً للقبول بشيء من الألم والتضحية في هذا المجال، في الوقت ذاته الذي يجب فيه العمل على إنجاز هذه العملية كما سبقت الاشارة من قبل فرق عمل مختصة وطرحها للمناقشة من قبل كل القوى الوطنية والمجتمع الأهلي، لاعتمادها ومن ثم البدء بتنفيذها في أسرع وقت وأقل كلفة وخسارة، وتحقيق أفضل النتائج الممكنة.

 

الوضع الطبقي:

أدت الأزمة واستمرارها إلى تبدل واضح في التركيب الطبقي للمجتمع السوري. فنتيجة التدمير والخراب والأعمال العسكرية، وما نجم عنها من قتل وهجرة ونزوح، وما أدت إليه من ارتفاع نسبة البطالة، ازدادت أوضاع مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية في سورية سوءاً، باستثناء تلك القلة القليلة من المحتكرين والفاسدين وتجار الحروب والأزمات. ولم ينحصر ذلك بتراجع وضع الطبقة العاملة والفئات الكادحة الأخرى وتردي أوضاعها بشكل كبير وحسب، بل بزيادة أعداد الفئات الفقيرة والمحرومة، وانتقال العديد من الفئات المتوسطة إلى مستويات الفئات الأدنى. ذلك أن العديد من الدراسات تشير إلى تراجع كبير في نسبة الفئة (الطبقة) الوسطى في المجتمع السوري، والتي تضم كل من يستطيع تلبية حاجاته الأساسية في المجتمع، من 60% إلى نحو 10%، بسبب خسارة فئات واسعة من هذه الطبقة لأعمالها وممتلكاتها، وانحدار جزء كبير من أفرادها إلى الطبقات الفقيرة أو المهددة بالفقر.

لقد لعب تدمير المنشآت الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية، وعملية النزوح والهجرة من الأرياف والمناطق المدمرة أو غير الآمنة، وفقدان المعيل لدى مئات الآلاف من الأسر، إضافة إلى فقدان مصدر العمل، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع الأسعار الفاحش الذي لم يعد يتناسب مع الدخل المتاح للغالبية العظمى من السوريين، لعب ذلك كله دوراً أساسياً في ازدياد حدة الفقر وتدني المستوى المعيشي للمواطنين، وتبدل الوضع الطبقي للمجتمع السوري، وارتفاع نسبة الفقراء والمحرومين فيه.

ويرى الحزب أن التنفيذ الجيد للرؤية التي يقترحها في نهاية هذا التقرير تشكل عاملاً مساعداً في تحسين التركيب الطبقي للمجتمع السوري، وإنصاف العمال والفلاحين وصغار الكسبة وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر، وتحسين وضعهم الإنتاجي والمعيشي.

 

دور الحزب في طرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية

كانت متابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على رأس مهام الحزب خلال الفترة الماضية، سواء من خلال صحيفة (النور)، أو من خلال ممثلي الحزب في مجلس الشعب والحكومة والإدارة المحلية والاتحادات والنقابات والجمعيات الأهلية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكان للحزب مواقف صارمة تجاه العديد من القرارات والإجراءات التي كانت تزمع الحكومة إصدارها أو التي أصدرتها، وبشكل خاص تلك التي تأتي في سياق اتباع النهج الليبرالي الاقتصادي الجديد، بحجة ظروف الحرب والحصار وضعف الموارد وإيصال الدعم لمستحقيه.

لقد استمر الحزب في المطالبة بزيادة الأجور، وبتوسيع قاعدة الدعم، والتحفظ على قانون التشاركية ورفع الأسعار، وتلزيم عدد من المشاريع والشركات بشكل مباشر بعيداً عن الشفافية والعلنية. وكالعادة لم يكن الحزب يكتفي فقط بانتقاد المظاهر السلبية والإجراءات غير المقبولة التي تتعارض مع مصلحة الجماهير الواسعة، بل ظل يتصرف بكامل الشعور بالمسؤولية، من خلال تقديم المقترحات البديلة لما يعارضه أو ينتقده، بغض النظر عن قبول الجهات الحكومية بذلك كلياً أو جزئياً، بسبب وجود عدد من الجوانب السلبية في التعاون القائم في إطار الجبهة الوطنية التقدمية. وكانت كل هذه المواقف مثار رضى أصدقاء الحزب وجماهيره. وهو ما يؤكد ضرورة الاستمرار بهذا النهج وتطويره وتوسيع مجالات التواصل المتنوعة والمختلفة مع أوسع الجماهير، لإيصال مواقف الحزب وآرائه في مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية بشكل يكمل ويتكامل مع خطه السياسي.

 

رؤية الحزب

يرى الحزب أن تجاوز آثار الحرب الحالية في سورية وعليها، وضخامة حجم المهام والمسؤوليات التي تتطلبها مرحلة إعادة الإعمار، وتحويل الأزمة التي تواجهها سورية إلى فرصة حقيقية للتنمية الشاملة والمتوازنة، والانتقال بسورية إلى بلد نام متطور، يرتبط بشكل أساسي بتحقيق الانتقال إلى نظامٍ وطنيّ ديمقراطيّ تعدُّديّ، يصون وحدة البلاد ويحقق التنمية العادلة والمتوازنة لكل أجزاء الوطن ومواطنيه. كما يتطلب اتباعَ نهجٍ اقتصادي تعددي تشارك فيه القوى الاقتصادية والاجتماعية الوطنية كافة، إلى جانب القطاع العام، بشكل فعال ومتكامل. ومعالجة الآثار السلبية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية التي تم تنفيذها بشكل غير مسؤول قبل الأزمة وخلالها، وذلك من أجل تسريع عملية التعافي وكفاءة تنفيذها وتجنيب البلاد العودة إلى أزمات مشابهة في المستقبل.

وفي هذا المجال يرى الحزب أن أولويات العمل في هذه المرحلة والمرحلة المقبلة يجب أن تركز بشكل أساسي على ما يلي:

1-  عقد مؤتمر وطني بمشاركة كل الجهات العامة والخاصة والقوى والأحزاب والجمعيات الأهلية المعنية، للتوافق على رؤية وطنية اقتصادية واجتماعية للمرحلة القادمة، تتولى فرقٌ وطنية مختصة وضع الاستراتيجيات والبرامج المادية والزمنية لتنفيذها.

2-  تكثيف الجهود لإصلاح البنى التحتية وتأهيلها في المناطق المحررة ذات الأولوية في أقرب وقت. وتمكين أبناء هذه المناطق من العودة إليها، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية والمصانع والورش الموجودة فيها، والإسراع في دفع التعويضات المناسبة لهم.

3-  الإسراع في إنجاز مشروع برنامج إصلاح القطاع العام الاقتصادي بمشاركة ممثلي العمال، وطرحه للمناقشة العامة من قبل الأحزاب والقوى الوطنية والمختصين قبل اعتماده بشكل نهائي والبدء تنفيذه.

4-  إعفاء العمال والموظفين من الضريبة المفروضة على الرواتب والأجور، والإسراع في تنفيذ زيادة حقيقية وعادلة عليها، وتوسيع السلع المدعومة التي تشملها البطاقة الإلكترونية لتضم السلع الغذائية الأساسية، والعمل على تحسين أوضاع الفئات الفقيرة في البلاد.

5-  المعالجة الفورية للأزمات الحالية التي تواجه المواطن السوري (انخفاض الأجور- ارتفاع أسعار المواد الأساسية- المشتقات النفطية- النقل العام …) واتخاذ الإجراءات الجدية الاحتياطية بشكل مبكر ومستمر لتجنب تكرار حدوثها مستقبلاً، ومحاسبة المقصرين والمسؤولين عن التأخر في اتخاذ الإجراءات اللازمة التي كان من الواجب اتخاذها في هذا المجال.

6-  تشكيل فريق عمل مختص ومخول بالصلاحيات اللازمة من الجهات العامة والخاصة المعنية، وبالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء، لمواجهة العقوبات الأحادية الجانب التي فرضتها بعض الدول على سورية.

7-  اتخاذ خطوات جدية لتطوير التعاون الاقتصادي مع الحلفاء والأصدقاء ليرتقي إلى مستوى التعاون السياسي، وبشكل خاص ما يتعلق بتطوير التبادل التجاري والتعامل بالعملات الوطنية بدلاً عن الدولار، والإسراع في وضع التسهيلات المتبادلة التي تتطلبها هذه العملية، وفي تنفيذها.

8-  تنفيذ برامج تدريب مكثفة للنازحين والعاطلين عن العمل حول المهن والحرف والاختصاصات المطلوبة لسدّ الاحتياجات الحالية والمستقبلية من العمال والحرفيين والفنيين اعتماداً على المواطنين السوريين، وتمكين أكبر عدد منهم من بدء مشروعه الخاص الصغير أو المتناهي الصغر.

9-  وضع قانون جديد للضرائب، يأخذ بالحسبان زيادة حصيلة الخزينة من جهة، ويراعي متطلبات العدالة من جهة أخرى، وذلك بزيادة معدل الضريبة المباشرة على الأرباح والريوع وأصحاب الثروات الكبيرة، وإعفاء متلقي الأجور والمداخيل الصغيرة منها، وخفض نسبة مساهمة الضريبة غير المباشرة في الحصيلة النهائية، باعتبارها ضريبة غير عادلة، إذ يتساوى في دفعها الفقراء والأغنياء

10-اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتشجيع عودة المهجرين والكفاءات الفنية والاستثمارية للبلاد.

11-اعتماد الشفافية والإعلان في طرح كل المشاريع ذات العلاقة بين القطاع العام والخاص المحلي والخارجي، بما يحقق أكبر قدر ممكن من النزاهة والمنافسة الحرة المفتوحة في تلزيم هذه المشاريع أو المشاركة فيها.

12- تقديم التمويل السهل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر، بما يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتحسين سبل العيش للمزيد من المواطنين، وإعادة دوران العجلة الاقتصادية في البلاد.

13- اتخاذ الإجراءات الاقتصادية والمالية والنقدية اللازمة التي سبقت الإشارة إليها، لتحسين قيمة العملة الوطنية، والتعاون مع الحلفاء والاقتصاد لاعتماد العملات الوطنية بدلاً عن الدولار في التبادل التجاري المشترك.

14- تمكين الأحزاب والجمعيات الأهلية ووسائل الاعلام الوطنية بكل أشكالها من الحصول على المعلومات والبيانات اللازمة لمتابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتسليط الضوء على مشاكلها ومتطلباتها ومظاهر الخلل فيها.

15- اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين على مختلف المستويات، وتمكين الإعلام بكل أشكاله، وكذلك المجتمع الأهلي، من المشاركة الفعالة في هذه العملية.

 

العدد 887 - 20/11/2019