أسلحة الدمار الشامل ما بعد النووية!

سامر منصور: 

(أما أحدث أشكال أسلحة الدمار الشامل فهي لا تقوم على علوم كالفيزياء والكيمياء وعلم الذرات كونها أصغر المكونات التي تُشكّل عالمنا، بل على الإنثروبولوجي، بفضاءاتها السوسيولوجية والسيكولوجية، وعلى ضرب قيم التعايش الأسري بوصف الأسرة أصغر مكونات المجتمع. فلماذا تُنفق الولايات المتحدة الأمريكية أموالاً طائلة على أسلحة لتدمير مجتمع ما، ما دام بإمكانها جعل أفراده يُدمرون أوطانهم بأيديهم وبأسلحة تقليدية، كالبنادق الرشاشة وقذائف الهاون والمتفجرات والمفخخات؟).

هذا ما خلص إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أدرك أن الفقر هو آفة الآفات التي تنبثق منها كل الأمراض الاجتماعية والانحرافات السلوكية. فترامب يشنُّ (حرباً اقتصادية) مرعبة ليقضي بسلاح الفقر على المكانة الحضارية والوزن الدولي لمن لا يُذعن لسياساته، وليُمزق المجتمعات ويحوّلها إلى تجمعات بشرية متناحرة تتقاتل فيما بينها، زاعمة أن ذلك في سبيل (صيغة جامعة سامية) تسمى الوطن.

إن سياسة (النفط مقابل الغذاء) التي انتُهِجَت ضدّ العراق في الماضي هي شيء بسيط مقارنة بما يبتغيه دونالد ترامب من حروبه الاقتصادية. وتبدو خطّة ترامب الشيطانية طريقاً أقصر وأداة أبلغ لتحقيق مبتغاه في تدمير من لا يذعن لسياسات دولته. فلماذا نوجد أدوات مُكلفة لتدمير شعبٍ ما، ما دام بإمكاننا جعل هذا الشعب يُدمّر نفسه بنفسه، وتأتينا زمرٌ منه بالمال وبعقود طويلة الأمد لنهب ثرواته، مُستجدية أن نزوّدها بأدوات القتل والتخريب، بمعنى: اجعل عدوّك يفقد صوابه وينتحر خيرٌ من أن تُخطّط وتُنفّذ وتُجازف للنيّل منه.

وإذا أردنا تخصيص الحديث عن أنفسنا، فالدول العربية مقسومة إلى قسمين: دول غنية تعمل أنظمتها الحاكمة على إفقار شعوبها، والآفات الاجتماعية المقترنة بالفقر موجودة فيها، كالسودان وليبيا والعراق …الخ، ودول غنية توزِّع أنظمتها الحاكمة النزر اليسير من ثروات البلاد على مواطنيها، فيعيشون أعلى مستويات الرفاهية وفقاً لمقاييس عالمية، كدول الخليج العربي. فما خطورة استراتيجيات الحرب الاقتصادية وأدواتها، ومقدار الدمار الشامل الذي يُمكن أن تُحقّقه في كلا الحالتين؟ في حالة الأنظمة التي لا تتبع الإفقار كخيار استراتيجي لضمان الطاعة وإشغال الشعوب بلقمة العيش عن ممارسة الحياة السياسية والفكرية، فإن هذه الشعوب تُعاني من استشراء الثقافة الاستهلاكية والهوس بمواكبة أحدث صيحات التكنولوجيا والموضة، مثلما تُعاني الاتكال على العمالة الأجنبية وتفشي البطالة الطوعية. ما يعني أن أي حرب وحصارات اقتصادية يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية ستقلب أنماط عيش المواطنين هناك رأساً على عقب، وستحدث حالة اضطراب تصل ليس فقط إلى أعماق سوسيولوجية وإنما إلى الحالة النفسية للمواطن أيضاً. أما في حالة الأنظمة العربية الناهبة لشعوبها والمُفقِرة لها، لصالح ضخ المال العام في حسابات بنكية شخصية لدى دول الغرب الامبريالية التي تدّعي هذه الأنظمة محاربتها، فإن هذه الأنظمة تنظر إلى شعوبها بصفتها طاقة استعمالية ويداً عاملة مُجيّرة لمصالح الفئات الحاكمة، وتخشى وصولها إلى عتبات وعي مرتفعة تجعلها تُطالب بأن تشارك في تقرير مصيرها، وتُنفّذ وتُدقّق بكل ما يرد تحت إطار المصلحة العامة. إن هذه الأنظمة تُدرك تماماً كيف تقود المجتمع وفقاً لنظريات بارزة في علم الاجتماع وعلم النفس، ومنها (هرم ماسلو) التي وضعت عام 1943. ويقول ماسلو بوجود الاحتياجات الإنسانية بطريقة تصاعدية، وأن هذه الاحتياجات هي التي تولّد وتُحفّز سلوكياتنا، وأن حيازة وضمان كل صنف من الاحتياجات يُتيح حيّزاً من الوقت وراحة البال تضمن الانتقال إلى مستوى آخر أعلى يليه وهكذا. إن قاعدة (هرم ماسلو) تضمُّ الاحتياجات الجسمانية للإنسان، كالحاجة إلى الطعام والشراب والنوم والتنفس والنمو السليم … إلخ، وبقدر تحصيل هذه الضرورات والأولويات يُتاح حيّز للتطلّع إلى ما هو أعمق وأبعد مدى. فلا يتصور أن يقوم غريق مثلاً يحتاج إلى التنفس، أو تائه في الصحراء يحتاج إلى الماء بالدراسة للمشاركة في أولمبياد علمي، أو بتأمل معرض فني فيه لوحات عالمية، أو بلعب كرة المضرب وهو على هذه الحال. أما إن أشبعنا الحاجات الجسدية في حاضرنا فسنشعر بالحاجة إلى مسائل أخرى، وهي وفقاً لماسلو: (الأمان) أي سنُفكّر بإمكانية توفير أمننا الغذائي وكل ما يتصل بذلك، وبأمننا الشخصي والتكاثر، فنسعى لتحصيل سكن مستقر يحمل خاصية الاستدامة ويوفر لنا الحماية من عوامل الطبيعة والكائنات الأخرى، وسيُحفّزنا إشباع هذه الاحتياجات إلى الانتقال نحو مستوى آخر من الاحتياجات، ألا وهو الحاجة إلى (الحب والانتماء)، وسنبدأ بتكوين الصداقات ونُقيم علاقات أُسرية مشحونة بقيم التعايش والتعاطف المتبادل، ونبحث عن انتماء إلى مجموعات نرتاح معها. ويندرج الانتماء الديني والعرقي وحتى الانتماء الوطني في هذه المرحلة ضمن (هرم ماسلو). وحين نُصبح مُنتمين إلى تجمّع ما، ستتولّد لدينا حاجة إلى التميّز باعتباره سمة أصيلة في النفس البشرية، وتختلف نسبة التميّز التي ينشدها كل فرد، وعندما نحصل على هذه المسائل سننطلق باتجاه حاجات عليا أخرى كالحاجة إلى التقدير والثقة بالنفس واحترام الآخرين لنا، وسيبرز لدينا شعور بالحاجة إلى أن نكون مُلاحظين بالاسم، وبارزين في مجتمعنا، ولدى ضعاف العقول يتجسّد ذلك في جمع المال واقتناء ألبسة ومركبات وأشياء لافتة للنظر، ولدى الأُناس الأكثر ذكاءً وعمقاً يتمثّل ذلك بالعطاء الإبداعي كأن تصبح شاعراً أو كاتباً مُتميّزاً أو رائداً في أيّ مضمار فني. وهنا يولد استيفاء كل الاحتياجات الإنسانية الجسدية والنفسية السابق ذكرها. هنا يولد حافزٌ لبلوغ ذروة الإنجاز والتنافس، فيُحقق الناس الأقلُّ عقلاً اسماً تجارياً لامعاً، أو مكانة كرياضي أو مغنٍّ مُحترف، بينما يُحقّق الناس الأكثر ذكاءً وعقلاً مكانةً في الأوساط العلمية والأدبية الإبداعية.

وكما سبق أن قلنا، فإن نهج العديد من الأنظمة العربية الثرية هو إفقار شعوبها وتسطيح تفكيرها، كي تغدو كقطعان الدواب، ليُصبح بالإمكان قيادتها برغيف الخبز كما يُقاد ألف خاروف بورقة خس واحدة، فالأنظمة العربية، بسلوكها هذا، تُسهّل مهمة دونالد ترامب الذي يريد نكب المنكوب ونهب المنهوب كي يُخرج الوحشية الكامنة فينا، ويدفن قيم التعايش والتحضّر والتمدّن، فيُمزّق المجتمعات ويحوّلها إلى تجمعات تتبنى أفكاراً ماضوية، لأن أنظمتها في العصر الحديث فشلت في منحها المجد والعزّة، ولم تنتج سوى الشعارات التي لا تدع لها خياراً سوى الماضوية، فالمجد والتقدم لم تعِشه شعوبنا إلاّ في الماضي كما يقول مؤرّخونا.

إن هناك تبادلاً للأدوار بين الأفارقة والعرب على ما يبدو، فهم يتقدمون ونحن نتراجع. إن الأنظمة الجديدة التي هي توءم سيامي مع الأنظمة القديمة التي جرى إسقاطها، تحت حكم العسكر وسطوة رجال الدين ما تزال بالتوهج ذاته، بل وتزداد توهّجاً. إن هذه الأنظمة ستنزل بشعوبها إلى أسفل الاحتياجات الإنسانية التي تناولها هرم ماسلو، لخوفها من أن تلقى ما يماثل مصير الأنظمة السابقة، خاصة أنها تدرك مقدار تشابهها معها، ولذلك يُمكننا القول إن تقليص الفارق الحضاري بيننا وبين الغرب لا يعتمد قيماً كالقوة العسكرية والهيبة التي يفرضها امتلاك أسلحة فائقة كالأسلحة النووية، بل تحتاج إلى حيّز زمني يعيش فيه العرب في ظلّ قيادات لدول مؤسساتية تؤمّن لهم الاكتفاء والأمن الغذائي، وأوطان آمنة والشعور الحقيقي بالانتماء إلى تلك الأوطان، وعدم تقزيم دور الوطن من خلال الفساد والمحسوبيات، إذ تُصبح الانتماءات الطائفية والعرقية والدينية حاضنة أجدى للإنسان في تسهيل عيشه وحمايته من الوطن ذاته.

العدد 878 - 18/09/2019