يكفينا تنظيراً… فلتوقفوا سباق التَّسلُّح!

إيناس ونوس:

تسعى جميع الدُّول، العظمى وغير العظمى، لامتلاك أكبر قدرٍ مُمكن من الأسلحة بمختلف أنواعها، حتى الخطيرة منها والمُحرَّمة دولياً، كوسيلةٍ لحماية نفسها من أيّ حدثٍ طارئٍ قد يحصل لها. ومن أجل تحويل هذا السَّعي إلى واقعٍ حيٍّ، فإنها تُخصّص ميزانيةً مُحدَّدةً قد تصل إلى أن تكون أكبر بكثيرٍ من الميزانيات المُخصَّصة للتَّعليم أو الصِّحة أو أي قطاعٍ آخر من شأنه أن يُفيد مواطنيها، بل إن ميزانية التَّسليح في بعض الدُّول تفوق ميزانية دولٍ أخرى بكل ما تتضمَّنه كلمة ميزانية. وفي الوقت الذي يزداد فيه التَّوجه نحو التَّسلُّح باضطرادٍ مع تزايد أعداد الفقراء والمجاعات والأمراض المزمنة في العالم، وكأن البشرية باتت وشيكة الانقراض.

إن سباق التَّسلُّح ليس بالجديد، إنما بات قائماً على نطاقٍ أوسع بين الدُّول بعد أن كان مُقتصراً على دولٍ مُحدَّدة بعينها تُدعى الدُّول العظمى، التي لها الكلمة الفصل في كلِّ ما يجري على هذه الأرض وفي أيّ بقعةٍ منها، ما جعل الاستشراس أشدَّ وطأةً من ذي قبل، وما دفع إلى أن تقوم بعض الحروب على أراضٍ غير أراضي الدُّول المُتحاربة، انطلاقاً من كلام حقٍّ يُراد به باطل، ومن أجل النَّأي بمواطني تلك الدول عن الأهوال والكوارث التي ستُلحقها بهم حروبهم فيما لو عاشوها، مُتغافلين وعن سابق عمدٍ عن المصائب التي لحقت ولا تزال تلحق بأصحاب الأرض (ساحات المعارك) التي لا علاقة لها بشيءٍ سوى أنها تمتلك بعضاً من ثرواتٍ يريدها أصحاب الحروب لحساب مصالحهم الشَّخصية!

إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي عاش على هذه الأرض وأورثها الخراب والدَّمار والموت، نظراً لطبيعته الأنانية وحبِّه للبقاء وأنانيّته اعتماداً على مقولة (أنا ومن بعدي الطُّوفان) هذا المبدأ الذي برَّر استخدام كل الوسائل من أجل تحقيق هذه الرَّغبة، فقد عُمل على الإفادة من كل الخبرات العلمية والطِّبية والنَّفسية والبيولوجية وغيرها وتسخيرها خدمةً لأهداف الموت والقتل والتَّخريب المُتعمّد. ففكرة شنّ حربٍ باتت أسهل من أيّ أمرٍ آخر ومهما كان الثَّمن باهظاً، وأيامنا هذه خير مثال، فما إن تبرز على إحدى الدُّول مقوِّمات النُّهوض والاعتماد على المقدَّرات الطَّبيعية والبشرية فيها حتى تُخلق ومن دون سابق إنذارٍ مقوِّمات المعارك بشكلٍ أو بآخر، وكأن البشر ليسوا سواسيةً من حيث حقوقهم في العيش والتنعُّم بالحياة، بل إن الواقع يقول إن أفراد بعض الدُّول لهم الأحقية بالحياة والعيش دون غيرهم الذين يُنظر إليهم على أنهم مُجرَّد أعدادٍ ما عليها إلاّ أن تتناقص كي يعيش الآخرون برخاءٍ مُستمتعين بكل الخيرات.

إلاّ أن العديد من الدِّراسات وضَّحت أنه لو خُصِّص جزءٌ بسيط من ميزانيات سباق التَّسلُّح في خدمة قطاعاتٍ أخرى في البلدان النَّامية لعاش جميع سكان كوكب الأرض بنعيمٍ وسلامٍ. هذا المصطلح الذي يتحدّث عنه وبه الجميع إلاّ أنه أبعد ما يكون عن حياة البشر، لأنه بات ذريعةً لإثارة المزيد من الحروب والنَّعرات هنا وهناك، وهي تمنع أي مجالٍ للتَّطوير الذَّاتي إن وجدت الرَغبة الحقيقية في ذلك، كما أن السعي لامتلاك هذا الكمّ من الأسلحة ولاسيما المُحرَّمة دولياً بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن تقتصر المنافسة على دولٍ بحدِّ ذاتها، بمنظور الدول العُظمى، كي لا تتمكّن الدول الأخرى من اقتنائها وتوجيهها في لحظةٍ بوجه أسيادها.

وبعد كل هذا، تأتي المنظَّمات الدَّولية لتُخصّص يوماً في العام تُذكِّر من خلاله بضرورة محاربة تلك الأسلحة وتبيّن مدى خطرها على البشرية وإجحافها بحقِّ الإنسانية جمعاء. لكن يبقى هذا التَّذكير في إطار التَّنظير فقط وكشكلٍ من البروتوكولات المُعتمدة والموثَّقة ذات يومٍ، أما على أرض الواقع فإن تلك المنظَّمات، بأساليب عملها التي لم تعد تنفع ولا تُجدي، تساهم بشكلٍ غير مباشرٍ في القضاء على من بقي من البشر الذين لم يدخلوا في الحسبان كأناسٍ لهم الحقُّ في أن يعيشوا كغيرهم. فهلا انتهت هذه المهزلة وغيرها؟ وهل من قادرٍ حقيقةً على الوقوف بوجه السِّلاح وتحويل الأموال التي تُصرف من أجل تطويره إلى أمورٍ أخرى أكثر جدوى وأنفع للإنسان؟!

العدد 878 - 18/09/2019