بين الحكومة والشعب.. أين الشفافية؟!

سليمان أمين:

بعد مضي ثماني سنوات من الحرب على بلادنا السورية، لم تستطع الحكومات المتعاقبة أن تخرج من أزمتها الحقيقية، في المنهج الذي تتبعه من غموض وتهديد وقمع لحريات تعبير المواطنين السوريين وآرائهم في أداء وزير ما أو مدير عام أو حتى موظف مدعوم بسلطة وصلة قربى من حوت متسيّد. لم تستطع الحكومات المتعاقبة أن تضع لنفسها منهجاً جديداً يعبّر عن شفافيتها في تصريحاتها وعملها، تستعيد به ثقة المواطنين الذين فقدوا الثقة بمؤسسات بلدهم الحكومية منذ سنوات، فوجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي متنفساً للتعبير عن آرائهم ومتطلباتهم منتقدين السياسة والمنهجية التي تتبعها الحكومة بالغموض وعدم مصداقية تصريحاتها وأقوالها، فسارعت الحكومة لتحمي نفسها من الانتقاد، بقمع الرأي الآخر بقانون الجرائم الإلكترونية، وبذلك سجلت انتصاراً جديداً على الشعب، بعد أن انتصرت لنفسها بكسب مجلس الشعب لصالحها ووضعه تحت جناحها، وواقع حال جلسات البرلمان في استجواب الوزراء واضحة وجلية، فقد بات البرلمان يحافظ على حقوق الحكومة ويرعاها، فأبسط سؤال يمكن سؤاله بكل واقعية: هل استطاع مجلس الشعب أن ينتصر لدستور الجمهورية لمرة واحدة؟ هل وقف مثلاً ضد تشكيل الهيئات والتجمعات الدينية الجديدة، رغم أن الدستور نص في المادة الثامنة_ الفقرة 4 على: (لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون)؟

هل وقف البرلمان مع حقوق الشعب وصانها تحت القبة البرلمانية وتساءل مثلاً عن أسباب ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

لم يلمس الشعب، لسنوات، شفافية عمل الحكومة، فهي لم تفِ بوعودها وتصريحاتها ولو لمرة واحدة، فقد مرت عشرات التصريحات للـ(مركزي) حول تخفيض سعر الدولار إلى حدود معقولة ولكن ما حصل كان العكس تماماً، فالدولار حلّق وتجاوز في الأيام الأخيرة عتبة 600 ليرة سورية دون وجود روادع قانونية وأمنية تحاسب المتلاعبين من التجار، ويعاود السوق ارتفاع سلعه الغذائية والأساسيات التي يحتاجها المواطنون، وتراجعت قوة الشراء بما يقارب 90% خلال الفترة الماضية، وعادت حالة الجمود للسوق السورية في كل القطاعات من جديد بعد أن شهدت انفراجات في الفترات الماضية. وعلى سبيل المثال تراجعت السياحة الداخلية هذا العام عن العام الماضي بفوارق كبيرة، مع العلم بأن هذا العام شهد عدة مهرجانات تركزت في المنطقة الجنوبية كدمشق وبلودان وقريباً صيدنايا، ولكنها ليست مؤشراً لحالة التعافي الاقتصادية والاجتماعية، وحتى اليوم لم تستطع وزارة التجارة الداخلية أن تقمع جشع التجار وتعمل على إيجاد حلول لسياسة التسعير التي تختلف بين يوم وآخر، ودائماً تدعو المواطنين إلى زيارة فروع مؤسسة التجارة الداخلية وأن أسعارها تنافسية ورخيصة، ولكن الواقع شاهد على أن أسعار هذه المؤسسات أعلى من أسعار السوق، وأن جودة منتجاتها أدنى من منتجات أجود وبأسعار أرخص في سوق المستهلك الخاصة حتى في الفاكهة والخضار واللحوم …الخ، كذلك الأمر عند وزارة السياحة التي خرج عن سيطرتها كثير من المطاعم والمقاهي، ووضعت رسوماً خاصة بها يدفعها المواطنون، وكذلك عدم التقيد بقوانين الوزارة التي لم نلمس من تصريحاتها سوى الكلام الخلبي الذي لم يطبق على أبسط مقهى، ولعل فضيحة أحد المطاعم في اللاذقية كانت الأوضح والأشهر بفرض ضريبة عدم طلب طعام على الزبائن، وما فعلته الوزارة هو تنبيه فقط دون محاسبة بعد أن ضجت وسائل التواصل الحكومي بقصة ذلك المطعم، فضلاً عن أسعار كبيرة تتقاضاها مطاعم أخرى ورسوم عالية وغريبة، فكيف سنصنع سياحة داخلية بغياب كامل لتطبيق قوانين الوزارة بالقوة على المنشآت السياحية!؟

 

وزارة الاتصالات وأسرار حجب (الواتس) و(الماسنجر)

منذ شهرين أو أكثر بقليل بات المواطنون السوريون يعانون من صعوبة التواصل على وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصاً (الواتساب)، وتلاها (ماسنجر الفيس بوك)، وقد جاء ذلك بعد عدة أخبار انتشرت عن نية (الاتصالات السورية) وشركات الخليوي منع اتصالات الواتساب خصوصاً لأنه يؤثر على دخلها. وقد صرح مدير الإدارة الفنية في الشركة السورية للاتصالات أيمن حموية، لإحدى الصحف الرسمية، بعدم وجود نية لحجب تطبيقات الدردشة أو إلغاء المكالمات الصوتية والفيديو عبر (واتسآب) وغيرها.

وأوضح أن (سوء خدمات بعض التطبيقات مثل واتسآب يعود إلى السيرفر الأمريكي).   وأنه (تم خنق السيرفر على سورية بسبب الحصار الذي ما زالت البلد تعانيه إلى الآن)، نافياً تلقي السورية للاتصالات أي شيء بخصوص حجب تطبيقات الدردشة، أو إلغاء مكالمات الإنترنت من قِبل (الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات والبريد).

ولكن ما توصلنا إليه من خلال تحرينا حول مشكلة (الواتسآب) التي يعاني منها المواطنون من خلال تواصلنا مع عاملين في شركات الخليوي وبعض الخبراء في مجال الاتصالات، تبيّن أن المشكلة التي تحدث في الواتساب من بطء وعدم وصول الصور في أغلب الأحيان أو تأخرها هو التالي: (محاولة تشفير محادثات الواتسآب بتمريرها بعدة سيرفيرات، وهذه العملية تأخذ بعض الوقت لتصل من المرسل إلى المستلم، وأن هناك كلمات وعبارات وضعت يتم التنبه لها، وتعتبر هذه الآلية ليست بالجديدة فهي موجودة منذ زمن على المكالمات الأرضية وتسمى الرقابة على الاتصالات، وقد طبقت شركات الخليوي أيضاً الرقابة على اتصالاتها ورسائلها، فهناك كلمات محظورة في الرسائل مثل كلمة (الشام) فإذا أرسلت رسالة لصديقك تخبره فيها بأنك في الشام يتم رفضها من السيرفر المستقبل فوراً).

 

أخيراً

وما يتمناه المواطنون اليوم من حكومتهم أن تتحلى بقليل من الشفافية التي ركّز عليها سيادة رئيس الجمهورية خلال اجتماعه الدوري بالحكومة يوم 14 أيار 2019: (إن الخطوة الأهم على طريق بناء تواصل فاعل مع المواطن هي الشفافية وتزويده بالمعلومة، إن كان حول الأزمات والحالات الطارئة التي تواجه الحكومة ولها تأثير مباشر على حياة الناس، أو التي يمكن أن تساعد الناس على فهم عمل الحكومة والمؤسسات الرسمية).

ونحن نتساءل اليوم: ما هي درجة الشفافية التي وصلت إليها حكومتنا اليوم وهي ما زالت تتبع منهجية إلغاء دور المواطن الفاعل ببناء وطنه، الذي أكد عليها دستور البلاد.

العدد 878 - 18/09/2019