كي لا ننسى | عبدو البطل.. الطبيب الإنساني الذي لا ينسى

يونس صالح:

عبدو البطل، نجل الوطني المعروف عبيد البطل، الذي كان من مؤسسي رابطة المثقفين في دير عطية، الذي رفع راية المجتمع المدني وأنجز أعمالاً معروفة في خمسينيات القرن الماضي.

إذاً، إن عبدو البطل، ينحدر من عائلة وطنية عريقة، والده عبيد البطل، الشخصية الوطنية المعروفة كما ذكرنا، الذي لعب دوراً تنويرياً في القلمون، وكان له تأثير ملحوظ على الحركة النهضوية في تلك المنطقة، والذي انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري في بواكيره، وشارك في المؤتمر الثاني للحزب الذي انعقد في بيروت أواخر عام 1943. في هذا الجو الوطني والشيوعي لأسرته، نما وترعرع هذا الشاب الذي أبصر النور في دير عطية صيف عام ،1943 وتشبّع منذ طفولته بأفكار الوطنية والعدالة الاجتماعية، مع شقيقيه الآخرين، وأصبحوا جميعاً فيما بعد أعضاء نشطين في الحزب الشيوعي السوري.

انتسب عبدو إلى الحزب في أواخر الخمسينيات أوائل الستينيات وهو يافع، وربط حياته منذ ذلك الوقت بقضية كادحي بلاده، وشارك في جميع الفعاليات التي كان ينظمها الحزب، ولقد بقي حتى أواخر حياته ملتزماً بأفكار العدالة الاجتماعية ومخلصاً دون حدود لوطنه ولأناس العمل الذين يبدعون الحياة.

تعرّفت إليه في عام 1964 في موسكو، حيث كنا ندرس باختصاصات مختلفة، إلا أن ما جمعنا هو منزل السكن. هناك عرفت خصاله النبيلة، وارتباطه بالوطن، ونبله، وصدقه، وتوثقت علاقات الصداقة معه. ولقد كان أحد نشطاء الطلاب والحركة الطلابية خارج الوطن في أعوام الستينيات. درس الطب واختص بالأمراض الداخلية، التي كانت أكثر الأمراض شيوعاً لدى السوريين، انتُخب أكثر من مرة عضواً في رابطة الطلاب السوريين خارج الوطن، وكان له دور مهم خصوصاً في تطوير النواحي الفنية في نشاطها. وبعد عودته إلى الوطن مختصاً بالأمراض الداخلية، عمل في مشافي ومستوصفات الدولة، ولم يبخل بالجهود من أجل تخفيف الأوجاع عن المرضى والاهتمام بهم.

إن كل من عرفه كان يقيّم فيه إنسانيته البالغة، وتعاطفه غير المحدود مع العمال والكادحين بصورة عامة، وفي عيادته الخاصة كان مثالاً للتعامل مع الناس، لم تُغرِه الحياة المادية، ولم ينظر إلى مهنته نظرة إلى تجارة يكسب من ورائها الأموال.

كان موقفه الإنساني تجاه مرضاه مشهوداً له ويعرفه كثيرون منهم. كان قلبه يعاني من الضعف، فاضطر لإجراء عملية جراحية خطرة في الاتحاد السوفييتي، كانت ناجحة، إلا أن آثار هذه العملية بقيت تلاحقه طوال حياته.

وعلى الرغم من أن كثيرين من الأصدقاء طلبوا منه أن يراعي وضعه الصحي إلا أنه لم يأبه لهذه النصائح، وصرف كل جهده لأجل خدمة من كان يستحقها من الناس.

أخيراً أنهك القلب، ولم تعد الجراحات العديدة التي أجراها عليه بقادرة على إنقاذ حياته التي كان نبضها يتراجع يوماً بعد يوم. لقد كان يعرف أن حياته شارفت على الانتهاء، إلا أنه لم يتأخر في يوم من الأيام عن تقديم أية مساعدة إنسانية تطلب منه. لم يفارقه الأمل أبداً، ولذلك كان يتحدث باستمرار عن الحياة، وهو يعرف أن شعلتها تنطفئ فيه تدريجياً.

هكذا ودع الحياة هذا الرجل الإنساني، دون خوف ولا وجل، بقي حتى النهاية يقوم بواجبه تجاه الناس وهو يحترق.

فلتكن ذكراه الطيبة ومسيرة حياته النبيلة، هو وشقيقه الآخر توفيق البطل الذي حذا حذوه، والذي رحل عن الحياة بعد مدة قصيرة، لتكن نموذجاً يحتذى لشباب المستقبل الذين سيحصدون ما زرعه الآباء والأجداد.

العدد 878 - 18/09/2019