“زمّر بنيّك”!

محمود هلال:

ونحن على أبواب عيد الأضحى المبارك، الذي سيحلّ علينا بعد أيام، في مطلع الأسبوع القادم، وكلنا أمل أن يحمل الخير والسعادة والسرور لكل السوريين والسوريات ولأبنائهم، أسوق الحادثة التالية:

تماشياً مع المثل القائل (الما لو زمّيرة.. ما لو عيد)، أراد أحد الفلاحين لابنه أن يعيّد مثل باقي أولاد الضيعة، فقرّر قبل العيد أن يشتري له زمّيرة، فأوصى سائق الباص بأن يحضر لابنه زميرة من العاصمة، فما كان من سائق الباص إلا اختلاق الأعذار والحجج الواهية كل يوم، لعدم شرائه الزميرة للصبي. وفي أحد الصباحات جاء الرجل إلى سائق الباص وناوله ثمن الزميرة قبل أن يسلّم عليه، فأجابه السائق مباشرة: (اليوم بيزمّر بنيّك)!

العيد هو دون شك مناسبة فرح تحمل السرور والبهجة، خاصة للأطفال الذين يترقبونها لتحقيق آمالهم المؤجلة والوعود التي يتلقونها من أهاليهم على مدار العام، والتي هي في معظمها وعود خلّبية تخديرية عند البعض لتمرير الوقت، مختصرة بالجملة المألوفة: (ع العيد)!

لقد أصبح العيد عند كثيرين من الأهالي مناسبة ثقيلة تذكّرهم ببؤسهم وشقائهم، وتؤكد لهم عجزهم عن الوفاء بوعودهم والتزاماتهم، وذلك في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، التي تزداد بؤساً من عام إلى آخر، وقد ازدادت أعداد الفقراء والمهجرين كثيراً خاصة خلال السنوات العجاف الأخيرة، في ظل الحرب والحصار الاقتصادي على سورية، وكثيرون باتوا بلا مأوى مشردين في أصقاع الأرض، وبالتأكيد سيكون للعيد عند هؤلاء طعم آخر، وقد لا يكون له لا طعم ولا لون ولا رائحة، وسيكون مناسبة عادية، أي يوم مثل باقي أيام السنة لا يحمل أيّ تغيير!

وفي ظل الارتفاع الجنوني للأسعار وفلتان الأسواق وتدني الدخول وتآكل القوة الشرائية، فإن هؤلاء سيبقون بالتأكيد على هامش العيد، إذ لا يمكنهم أن يشتروا لأبنائهم الثياب الجديدة، وحلوى العيد وكعكه، وكذلك لا يستطيعون الذهاب معهم إلى المطاعم والألعاب لكي يفرحوا ويمرحوا، وقد لا يرون الضحكة على شفاههم.

قد يقول قائل: انظروا إلى الأسواق ملأى بالناس والازدحام على أشدّه حتى الساعات المتأخرة من الليل، والكل يتسوق ويتبضع قبل العيد، وهذا دليل على أن أحوال الناس وأمورها بخير، نقول: صحيح أن الأسواق مكتظة بالناس، ولكن هل كل هؤلاء قادرون على الشراء؟ بالتأكيد لا، لأن الغالبية العظمى منهم يقفون أمام واجهات المحلات ينظرون إلى الأسعار ويمضون إلى سبيلهم! إذا أخذنا موضوع اللباس على سبيل المثال، فإن كسوة بسيطة لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص، من سوق شعبي دون ماركات، قد تحتاج إلى100 ألف ليرة سورية كحدٍّ أدنى.

لقد أصبح العيد لقلة قليلة من الناس، للأغنياء وأصحاب الرساميل فقط، لأنهم هم القادرون على الشراء والتسوق والذهاب في أيام العيد وغيرها من الأيام إلى أفخم المطاعم وإلى البحر والمسابح في هذا الصيف الحار وإلى أجمل الأماكن، وارتياد أجمل حدائق الألعاب، وبذلك تكون عندهم كل الأيام أعياداً.

بقي أن نقول: عشية العيد لابد من الالتفات إلى هؤلاء المواطنين الفقراء الذين باتوا يشكلون الشريحة الأوسع في المجتمع، وتحسين أوضاعهم المعاشية بزيادة أجورهم، زيادة حقيقية، وإيجاد فرص العمل للعاطلين منهم، وتنفيذ كل الوعود والخطط والمشاريع التنموية المؤجلة، لكي يتخطوا فقرهم وعجزهم ويشعروا بالأمان والاستقرار، وبذلك قد يكون (زمّر بنيّهم).

وكل عام وأنتم والوطن بألف خير!

mmah.hlal@gmail.co

العدد 873 - 07/08/2019