ماذا تقول الموسيقا البديلة؟

يزن المصري:

باعتبار أن ما تنتجه أي أمة من فنون بمختلف أنواعها (رسم، موسيقا، مسرح) ما هي إلا انعكاس لأوضاع هذه الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو ما يطلق عليه البنى التحتية، فإن محاولة تحليل أي نوع من هذه الفنون وفهمه هو طريق مختصر لفهم البنى التحتية لهذه الأمة.

انطلاقاً من هذه المقدمة البسيطة التي هي أساس في علم الاجتماع اليوم، يمكننا فهم أوضاع شباب الأمة العربية من خلال موسيقاهم، والحديث هنا بالتحديد عما بات يُعرف بـ (الموسيقا البديلة).

بدأ مصطلح الموسيقا البديلة يتردد كثيراً في الفترة الأخيرة، لكن حتى رواد هذا النمط ومحبوه ليس لديهم تعريف دقيق له، لكن المتفق عليه أن الموسيقا البديلة هي بديل عن الموسيقا التجارية النمطية السائدة، موسيقا شركات الإنتاج بموضوعها الباهت الوحيد المكرر، أي الحب والعلاقات العاطفية.

ففرق الموسيقا البديلة التي باتت منتشرة ومسموعة جداً بين الشباب العربي، أي أن تنشر اسمها وتحصل على جماهيرية بوسائل خاصة منها الحفلات أو اليوتيوب أو سواه، بعيداً عن التعاقد مع شركات الإنتاج الكبيرة كما يفعل المغنّون عادةً، لذا هي حرة في اختيار مواضيعها كونها المُمَوِّل لنفسها؛ وهذا بالضبط سبب شعبيتها المتزايدة، فحريتها في اختيار مواضيعها أخرجها من الأُطر الكلاسيكية للغناء ومواضيعه وجعلها انعكاساً حقيقياً لما يمرّ به الشباب من مشاكل وأفكار سواء كانت جيدة أو سيئة، فتارة هي تتحدث عن اليأس والأمل والحب والحروب والطائفية والبطالة والفقر، وتارة تروج للمخدرات والمثلية الجنسية بطرق مباشرة أو غير مباشرة.

فعندما تُصور إحدى هذه الفرق حالة اليأس والإحباط التي باتت منتشرة بين الشباب، تقول:

(كل العالم يئسوا وفلّوا… من كتر ما صَلُّوا، وما في جواب!).

وثانية تتحدث بطريقة غير مباشرة عن حالة تعاطي (الحشيش) المنتشرة أيضاً كمحاولة للهرب من الواقع المزري، فتقول:

(سيجارة قبل ما نقوم، نضيع بهالشتات ونردّ عالتعليمات، توهمنا بمشروع مش مفيد، توعدنا بشرق جديد)!

وإحدى مغنيات هذا النمط، بعد أن تصور معناتها كأنثى في مجتمعاتنا، تقولها صراحةً مع نوع من الترويج:

(وأنا حـَعمل الصح واشرب حشيش).

وفرقة أخرى تُصور رغبة الشباب في التغيير، فتقول:

(وين أثور، وين أثور ويجي اللي يغيّر المشهد

والمسؤول بيتفرج، مثل الحجر ساكن بيعدّ فلوس).

ليس بالإمكان الاقتباس أكثر، فموضوع الموسيقا البديلة متشعب وله عدة جوانب وسمته العامة الفوضى، لأن عقول شباب هذه الأمة لا يسكنها إلا الفوضى وأفكار ومفاهيم كثيرة منها الجيد ومنها السيئ.

لكنه بالمحصلة صرخة تحاول إيصال صوت مهدور ومغيّب لفئة عمرية يفترض أنها المُعَوَّل عليه في إعادة تشييد ما خلفته الأزمات المتتالية في المنطقة، صرخة تحاول أن تقول إنّ شبابنا غارقون في التيه والضياع ويبحثون عمَّن يساعدهم، عمَّن ينزل من قصره العاجي إلى واقعهم المزري ليساعدهم فعلاً، بعيداً عن المثاليات والوعود بإصلاح واقعهم وتحسينه، وهي الوعود المؤجلة آجالاً غير مسمّاة.

العدد 873 - 07/08/2019