من القلب إلى القلب | قراءة في تاريخ (لا) النافية !.. المقـاومة الفلسطينية (1)

عماد نداف:

كنا صغاراً، وعندما تكون صغيراً تراقب الأشياء وتعيش الأحداث، حتى لو لم تكن تفهمها. فكيف إذا كانت الأحداث أكبر بكثير من تفاصيل حياة الطفل اليومية ورغباته وحبه للعب وملابس العيد وشراء طابة!

في ذلك الوقت، ظهرت كلمة (الفدائي). والفدائي في المصطلح اللغوي الوطني: هو ذاك الذي يُضحّي بنفسه من أجل الوطن. وفي مصطلح تلك الأيام هو ذاك الذي انخرط في العمل من أجل تحرير فلسطين، بل ويُضحّي بنفسه من أجل قضيتها الغالية لأنها قضية العرب جميعاً.

كنا صغاراً، عندما انطلقت فكرة المقاومة الفلسطينية، بعد انهيار منظومة العمل العسكري الرسمي العربي في نكبة فلسطين عام ،1948 وعندما انتشرت فضائح الأسلحة الفاسدة (في مصر)، والسمن الفاسد (في سورية)، ورشاوى الصهيونية لبعض الحكام العرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

مع انطلاق المقاومة الفلسطينية في أواسط الستينيات، وتحديداً بعد هزيمة حزيران عام 1967 ، كان ينبغي أن نقرأ الواقع على هذا النحو:

أولاً، أن إسرائيل أصبحت كياناً لا يستهان به ويهدد أمن العرب وأمن المنطقة كلها نتيجة ارتباطاته مع مشاريع غربية.

ثانياً، أن إسرائيل بعد أن هزمت جيوشنا أكثر من مرة ورمتها في التيه، وقعت في مطب استسهال التعامل مع العرب.

ثالثاً، أن ظهور شخصية جمال عبد الناصر زعيماً عربياً حارب في فلسطين وحمل عار النكبة، وتولى السلطة حاملاً طموحات كبرى، هيّأ الشعب العربي لتبنّي أيّ وسيلة تغيّر موازين القوى ، وخاصة بعد العدوان الثلاثي الذي نقل مصر إلى الصدارة.

وعندما فكّر الفلسطينيون في التعامل مع هذا الواقع والشغل عليه، انطلقت فكرة العمل الفدائي، فإذا نحن أمام  نشاط  واسع في (حركة فتح)، التي كانت أعلنت انطلاقتها قبل عام 1967 ، وإذا نحن أمام فصائل جدية للعمل الفدائي أبرزها:

* الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

* جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.

وتشهد الساحة الأردنية على الحجم الفعلي لعمليات هذه الفصائل الناجحة ضد الاحتلال الإسرائيلي ونتائج هذه العمليات وأثرها على الكيان الذي لم يكن قد مضى ربع قرن على نشوئه.

ذلك ما لم تحسب له إسرائيل حساباً جدياً، لذلك كان عليها أن تتعامل مع هذا المستجد الذي رفع راية (لا) للاحتلال، بالسلاح وبطرق فذّة لا تشبه أبداً تلك التي استخدمتها الجيوش العربية المهزومة.

فما هو مصير (لا النافية) للاحتلال التي ظهرت مع هذا النوع من العمل المقاوم الذي انتشر سريعاً، وأسس لمدرسة نموذجية ما لبثت أن تداعت؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بتكثيف أوّلي، لا بدّ من شرحه فيما بعد:

في البداية، وقعت هذه الفصائل المقاومة بصراعات الزعامة التي اتكأت بالضرورة على مسألة البحث عن هوية فكرية لكل فصيل، وكان يجب أن تؤسس لوحدة وتماسك كبيرين قبل التفكير بتبني إيديولوجيا محددة، لأن العامل المشترك فيما بينها هو أصلاً ( العمل الفدائي من أجل التحرير).

ومن الطبيعي في هذه الحالة، أن يحاول التيار الماركسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفسه، فتظهر الجبهة الديمقراطية بزعامة نايف حواتمة، وبدلاً من أن تتابع العمل الفدائي راحت ترفع الأعلام الحمراء في الساحة الأردنية، مما أوقعها في تناقض مع الذهنية الشعبية والبيئة الداعمة للعمل الفدائي، فيما هي تبني أشكال نضال أخرى تستند إلى رؤية خاصة في حل الصراع العربي الإسرائيلي.

ولأن بحث الزعامات الموجودة عن تمايز لها، كان شكل الانقسام يتوالد، فتظهر قوى جديدة من الجسد الأم، وعلى ذلك نشأت فصائل مثل القيادة العامة وجبهة التحرير.

أما الأنظمة العربية، فلم تراقب الأمر بكسل، واندفعت إلى تبني الفكرة كي لا تخرج الأمور من يدها، وتحشر في زاوية تضطرها إلى فعل ملا تريده ، فتباينت عمليات التبني، وأخذت مسارات عدة تتراوح بين (الدعم) و(السيطرة والاحتواء) و(الإجهاض). وعلى ذلك نشأ تنظيم الصاعقة، وتنظيم الجبهة العربية، وفصائل صغيرة أخرى .

وكان ثمة عملية أخرى اجتاحت (لا النافية) هذه، قادها مال النفط ، ولذلك حلقة تالية، ولكن قبل ذلك ينبغي الحديث عن حركة المكونات الجدية، مكانها وزمانها وتراجع عملياتها.

* (يتبع : أيلول ، والرحيل إلى جمهورية الفاكهاني)

العدد 890 - 11/12/2019