موتٌ منظَّم باعترافٍ دولي

إيناس ونوس:

أعلنت الجمعية العامَّة للأمم المتَّحدة عن اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر في 30 تموز 2013 بالقرار رقم (192/86/RES/A)، الذي تناول المحاور الأساسية لأشكال الاتجار بالبشر، وأحد هذه الأشكال هو الاتجار بالأعضاء البشرية، الذي يأتي في المقدِّمة نظراً لانتشاره بشكلٍ مُطَّرد منذ سنواتٍ طويلة وحتى اليوم.

تنتشر عصابات الاتجار بالبشر المنظَّمة في كلِّ دول العالم تقريباً، سواء داخل حدود الدَّولة الواحدة أو بين عدَّة دولٍ، وتمارس دورها المنوط بها أثناء حالات النُّزوح والهجرة واللُّجوء، فالضَّحايا الهاربون من الكوارث وويلات الحروب وغيرها يجدون أفراد تلك العصابات بانتظارهم، يتلقَّفونهم بسهولةٍ تحت ذريعة مساندتهم في الخروج من أوضاعهم، فيقعون ببساطةٍ لقمةً سائغةً بين أنيابهم، كما حدث ولا يزال مع غالبية المهاجرين وتحديداً غير الشَّرعيين والمُغرَّر بهم من قبل الكثير من المهرِّبين. فبحجَّة غرق القوارب أو تعطُّل المركبات يتمُّ اغتيال العديد من الأشخاص، ثم القيام بانتشال أعضائهم والمتاجرة بها دون أيِّ إحساس، بغية الحصول على الأموال والمكاسب الشَّخصية التي تتكدَّس بازدياد مع ارتفاع عدد الضَّحايا. وبعد أن أمسى هذا العمل ظاهرةً عالميَّةً شبه يوميَّة، انصبَّت الجهود في أروقة الجمعية العامَّة لاستصدار إعلان نيويورك من أجل اللَّاجئين والمهاجرين في 19 أيلول 2016 تحت رقم (71/1)، والمتضمِّن 19 بنداً، منها البند 9 الذي أقرَّ من خلاله المجتمعون بحجم هذه الكارثة الانسانية:

(كثيراً ما يواجه اللَّاجئون والمهاجرون ويلاتٍ لا يرون فيها بصيص أمل، ويتجشَّم الكثير منهم مخاطر كبرى، فقد يقع بعضهم فريسةً لعصاباتٍ إجراميةٍ أو ضحيةً للاتجار).

بعد كل هذا يصمِّم القائمون على السِّياسات الدَّولية على إنقاذ تلك الأرواح، فقد جاء في البند 10 من الإعلان ذاته:

(نحن مصممِّون على إنقاذ تلك الأرواح وبالمثل مصممِّون على إيجاد حلولٍ طويلة الأمد لنكافح بكل ما أوتينا من وسائل حالات إساءة المعاملة والاستغلال التي تعانيها أعدادٌ هائلةٌ لا حصر لها من اللَّاجئين أو المهاجرين).

هم يريدون حلولاً طويلة الأمد! لماذا؟ ليتمكَّن المجرمون من حصد المزيد من الأرواح التي لا ناقة لها ولا جمل!! أليسوا بذلك هم شركاء بالجريمة، لإدراكهم بأن أفراد تلك العصابات فوق أيِّ قانونٍ أو قرار؟

ومع ذلك يسعون لإيجاد تلك الحلول ذات الأمد البعيد، ليكتمل العمل المسرحيُّ الهازئ بكلِّ القيم الإنسانية، بإعلانهم تراجعهم عن خطَّة عملهم تلك من خلال ترك الأبواب مواربةً، فقد تضمَّن البند 11:

(نقرُّ بالمسؤوليَّة المشتركة للتَّعامل مع حركات النُّزوح القسري، مسلِّمين في الوقت ذاته بتفاوت القدرات والموارد المستخدمة في التَّصدي لهذه الحركات، حيث يجب أن يحصل اللَّاجئون والمهاجرون على الدَّعم والمساعدة والحماية الشاملة بما يتماشى مع التزامات الدُّول بموجب القانون الدَّولي).

بهذا الكلام ستتهرَّب الدُّول الملزمة من واجباتها بذريعة عم امتلاكها للإمكانيات التي تؤهِّلها للوقوف بوجه أولئك المجرمين وعصاباتهم، وكأن شيئاً من كل تلك الاجتماعات والمسرحيات لم يكن.

كلُّ هذا يصبًّ في صالح فئةٍ قليلةٍ فقط لا همّ لها سوى أن تعيش وحدها مهما كانت الوسيلة، وبطبيعة الحال هي فوق أي قانون وفوق كل اعتبار، ونصل إلى خلاصةٍ مفادها أنَّ كل تلك القوانين والمواثيق ما هي إلا نوعٌ من أنواع بلسمة الجراح الكاذبة ليس غير، اتِّقاءً للَّوم، لأنها لم تفضِ إلى أيَّة نتيجةٍ حتى اليوم، وأظنُّها لن تفعل ما لم يوضع القانون في مكانه الصّحيح فوق الجميع بلا استثناء.

إلى متى سيبقى هذا الجرح نازفاً؟ ألم يُتخم تجار الموت بعد؟! أم أنَّ أفلام أكلة اللُّحوم خرجت من إطار أفلام الخيال وباتت واقعاً يومياً حيَّاً رغم كل مراراته!؟

العدد 873 - 07/08/2019