غابرييل غارسيا ماركيز.. عطاءٌ لا ينضب

إسكندر نعمة:

وُلِدَ غابرييل غارسيا ماركيز في 6 آذار 1927 في مدينة أراكاتكا في كولومبيا. إلّا أنّه قضى مُعظمَ حياته في المكسيك وأوربّا، ويعيشُ حاليّاً في مدينة مكسيكو سيتي عاصمة المكسيك. وقد نال جائزةَ نوبل للآداب في عام 1982، وذلك تقديراً لنشاطه الإبداعيّ في مجال الرّواية والقصّة. ويُعدّ ماركيز بحقّ أحدَ أشهر روائيّي العالم، إضافة إلى أنّه ناشطٌ سياسيّ كولومبيّ وعالميّ، وصحافيّ نشيط، وناشرٌ أدبيّ. وجديرٌ بالقول أنّ ماركيز كان أحدَ أهمِّ المبدعين والأدباء القلائل الذين حظوا بشهرةٍ أدبيّة وفكريّة عالميّة واسعة الطّيف.

كان أولُ عملٍ أدبيّ له قصّةَ: (بحّارُ السّفينة المُحطَّمة)، وذلك عام 1955. تابع ماركيز نشاطَه الأدبيّ بغزارة وبلا توقُّف، وعُدَّ من أشهر كتّاب الواقعيّة. إلاّ أنّ إبداعَه الرّوائيَّ والقصصيّ كان يتّسمُ بالتّنوّع ولا يلتزمُ مدرسةً أدبيّةً بعينها. فروايتُه الذّائعةُ الصّيت: (حكايةُ موتٍ مُعلَن) التي نّشِرت عام 1981، وروايةُ: (الحبُّ في زمن الكوليرا)، التي نُشِرت عام 1986، هما ضربٌ من الأدب التّخيُّلي الممزوج بمهارة فائقةٍ بمجريات أحداث واقعيّة صيغَت كلُّها بأسلوبٍ روائيّ فذّ.

وتُعدُّ روايتُه: (مئةُ عام من العُزلة) أشهرَ رواية على الإطلاق. لقد بيع منها أكثر من عشرة ملايين نسخة. برزت في هذه الرّواية مهارةُ ماركيز في عرض الأحداث الواقعيّة بأُسلوب يبدو خياليّاً مع إدهاشٍ رائعٍ في استخدام اللّغةِ الإسبانيّة واستبطانها.

إضافة للرّوايات الهامّةِ التي سبق ذكرُها، فقد أبدع ماركيز العديدَ من الأعمال الرّوائيّة التي من أشهرها وليس كلّها: خريفُ البطريرك- رائحةُ الجوّافة- اثنتا عشرة قصّةً مُهاجرة- الأُمُّ الكبيرة- الجنرال في متاهته، وهي قصّةُ حياة الكاتبة الوجوديّة الفرنسيّة المشهورة سيمون دي بوفوار.

عُرفَ عن ماركيز صداقتُه الحميمة للقائد الثّوريّ الكوبيّ فيدل كاسترو، وللقائد الفلسطينيّ ياسر عرفات.

كانت تلك الصّداقاتُ تعبيراً عن انتماءاتِه وتوجُّهاته الثّوريّة ونضاله ضدَّ القمع والفساد والقهر والاحتلال.

ما يجدرُ ذكرُه أنّ ماركيز، قرَّرَ ان ينسحبَ من الحياة الاجتماعيّة مُؤَخَّراً لأسباب صحيّة قاهرة. وقام بتوجيه رسالة وداعيّةٍ إلى أصدقائِه، ذات مضمون عاطفيٍّ مؤثِّرٍ للغاية، تُلْمِعُ بحكمة إنسان وكاتب كبير مُتميّز.

كتبَ ماركيز سيرتَهُ الذّاتيّة في جُزئِها الأوّل فقط، وذلك في عام 2002. وقد تُرجمت للإنجليزيّة تحت عنوان: (أعيشُ لأَروي)، وقد قام بأعباء ترجمتها الكاتب والمترجمُ البريطانيّ: إيديت غروسمان.

إلاّ أنّ السّيرةَ الذّاتيّةَ الرّسميّة الكاملةَ الوحيدة للكاتب الكولومبيّ العالميّ ماركيز، هي تلك التي تطوَّع لكتابتها الكاتب البريطانيّ: جيرالد مارتن. وقد كتبَها بمتابعة تفصيليّة مُذهلَة. تقعُ تلك السّيرة في 2000 صفحة. وقد اقتضَت 17 عاماً من التّقصّي والمتابعة والكتابة والتّمحيص. وقد أعلن الكاتب البريطانيّ أنّه لا ينوي التّوقُّف عند هذا الحدّ، بل يرغبُ في إصدار مُلحقٍ مُتمِّمٍ لهذه السّيرة. مُوضِّحاً أنّها، أي السّيرة: (هي قصّةُ رجل نجح في القيام بكلّ ما رغبَ فيه طوال حياته). وتتضمَّن هذه السّيرة 600 ملاحظةٍ في هوامش الصّفحات.

يُعلِّقُ كاتبُ السّيرة البريطانيّ جيرالد مارتن، يُعلِّقُ_ مازحاً_ إنّه لم يحتجْ إلاّ إلى ساعات معدودة، وبضع كؤوسٍ من الويسكي من أجل إقناع الكاتب الكولومبيّ العالميّ بالسّماح له في أن يحقِّقَ في تفاصيل حياته. وقال ماركيز: (حسناً.. اكتبْ. ولكن شريطة ألاّ تجعلني أعملُ معك!). وانكبّ جيرالد مارتن بعد ذلك على إنجاز المشروع الأدبيّ الكبير الذي يزداد تعقيداً سنةً إثرَ سنة، بسبب غزارة المعلومات وتشعُّبها. وقد اعتبر مارتن أنّ ماركيز الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 81 سنة، ما يزال يملك نشاطه الفكريّ والفنّي والسّياسيّ، ويُبدي رأْيَه بكلِّ شاردة وواردة. فهو مُسافرٌ لا يكلُّ ولا يهيضُ له جناح، وعدَّه أكثرَ كتّاب العالم شُهرةً.

لقد اضطرّ كاتبُ السّيرة، من أجل إتمام وتوثيق عمله، أن يُقابلَ أكثر من 300 شخص، من بينهم والدة ماركيز، والزّعيم الكوبيّ فيدل كاسترو الذي تربطه بماركيز علاقةُ صداقة حميمة، وكذلك الكاتب المكسيكيّ كارلوس فوينتس، والكاتب البيروفيّ ماريو فارجاس يوسّا.

وكان يلتقي سنويّاً مرّات عدّة بماركيز الذي أهداهُ روايتَه الأحدث: (ذكرياتُ مومساتي التّعيسات)، وقد كتب له في الإهداء: (إلى جيرالد مارتن المجنون الذي يُلاحقُني). ضحك مارتن ملءَ شدقيه وقال: (يحلو لي أن أُفكِّرَ أنّني صديقُه المُفضَّل).

صدرَ الكتابُ أي السّيرةُ الذّاتيّة لغابرييل غارسيا ماركيز باللّغة الإنجليزيّة في عام 2008. أمّا النسخةُ المترجمةُ إلى الإسبانيّة فقد تمَّ صدورُها في نهاية عام 2009.

بعد إنجاز السيّرة وطباعتها، زار الكاتبُ المؤَرِّخ جيرالد الأَديبَ ماركيز وأطلعَه على السّيرة. وافق ماركيز على مجمل الكتاب، إلاّ أنّه أبدى تحفُّظَه على بعض الأخطاء والتّحليلات التي لم ترُقْ له.

ذلك هو ماركيز في سطور مُقتضَبة. وجديرٌ بالذّكر أنّ أكثرَ أعماله تُرجمت إلى العربيّة، فكانت إغناءً للمكتبة العربيّة ورفداً لها. إنّ أهمَّ أعماله المترجمة إلى العربيّة: مئةُ عام من العزلة- خريفُ البطريرك- قصّةُ موت مُعلَن- الأُمُّ الكبيرة- الموتُ أقوى من الحبّ- بائعةُ الورد… وروايات وقصص كثيرة غيرها.

منذ سنوات قليلة، غيّب الموت المفكِّرَ الكبير والأديب المبدع غابرئيل غارسيا ماركيز، تاركاً وراءَه مكتبةً من الثّقافة والفنِّ والأدب. بكلّ خشوعٍ واحترام، ينحني العالمُ كلُّه إجلالاً لرحيل هذه القامة الأدبيّة والفكريّة الّتى تطرقُ أبوابَ الخلودِ بكلتا يديْها.

العدد 882 - 16/10/2019