فضاءات ضيقة | المثقف.. ما له وما عليه

د. عاطف البطرس:

المثقفون جزء أساسي من المجتمع، بل ربما أحد أهم مكوناته، نظراً لموقعهم من عملية الإنتاج الثقافي.

ينمو دورهم ويتعاظم في الأزمات التي تتعرض لها بلدانهم، ويعوّل عليهم في قيادة وتوجيه الرأي العام، وإن كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد احتلت مكان الصدارة في توجيه وصناعة ذائقة المتلقين وتحديد أهوائهم.

يبقى للمثقفين دورهم الاجتماعي بوصفهم حملة معرفة ونماذج يقتدى بها من قبل المجموعات الإنسانية مختلفة المشارب والمرجعيات والأمزجة، وعليهم واجب مواكبة التطورات الحاصلة في بلدانهم وإبداء الرأي فيها والانخراط في عملية التوجيه الثقافي، وكشف الحقائق وفرز الزائف منها وتعرية الأباطيل وفضح وسائل وأدوات التضليل الإعلامي التي يقوم بها خصوم بلدانهم وأعداؤها.

لا يتساوى المثقفون في ممارسة أدوارهم الاجتماعية، فتجد بينهم المتحمس لواجبه الاجتماعي المنغمس بقضايا وطنه (المثقف العضوي)، وتجد آخرين لا همّ لهم إلا مصالحهم الشخصية والتقرب والتزلف لأصحاب القرار والنفوذ في بلدانهم، ومنهم فئة صامتة تبدو كضيوف في بلدانها، يمارسون حياتهم اليومية مكتفين بما حصلوا عليه من اعتراف بمكانتهم الاجتماعية، ولن نتحدث عن بعض المثقفين على قلّتهم الذين وقفوا ضد قضايا وطنهم ومصالح أبنائه.

إذا سلّمنا بأن الواجب الوطني والاجتماعي والثقافي يتطلب من المثقفين أن يبذلوا أقصى ما يستطيعون من أجل وطنهم ومجتمعاتهم، فهل لهم الحق في المطالبة بحقوقهم، وهم يدركون جيداً أن أوضاع بلدانهم لا تسمح إلا بتلبية اليسير منها، وأول هذه الحقوق حرية الرأي والتفكير والتعبير دون تضييق أو مصادرة حتى ولو اختلفت مع آراء المشرفين على الثقافة والإعلام والسياسة في بلدانهم.

أليس من حق المثقف أن يؤمّّن له الأمن النفسي والكفاية المادية، ليشعر باستقلاله الذي يمكّنه من التفكير الصحيح والوصول إلى النتائج التي تخدم المصالح الوطنية العليا لبلده.

حتى في الظروف الحرجة، لماذا نجد سخاء في الإنفاق على مظاهر البهرجة والاستعراض، بينما لا نجد ما يعادلها من إنفاق على الأنشطة الثقافية وما يقابلها من فعاليات؟

إذا كانت وزارة الثقافة قد زادت مكافأة الكتاب وفق الإمكانيات المتاحة، فلماذا لا تحذو الجهات الأخرى حذوها في رفع المكافآت كوزارة الإعلام واتحاد الكتاب العرب، وهم في طليعة المعنيين بالشأن الثقافي واتساع دائرة التواصل بين منتجي الثقافة وبين من هم بأمسّ الحاجة إليها.

تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحاً: ما هي الثقافة المطلوبة اليوم؟ ومن سيحدّدها؟ ومن سيقوم بالمهام الملقاة على عاتق المثقفين إن لم يتداعوا إلى رفع الصوت عالياً من أجل أفضل أداء ثقافي ومردود مالي يتناسب مع احتياجاتهم الحياتية؟

العدد 878 - 18/09/2019