نحو منابر مسؤولة

عباس حيروقة: 

ما من شك أن جلّ الأدباء والفنانين لديهم الرغبة والنيّة في النهوض بواقع حال سوريتنا النور، بشكل يليق بتاريخها وعراقتها وطيب أبنائها، ويعملون ما في وسعهم، على الأقل ثقافياً، للوصول إلى واقع معافى، واقع قادر على مواجهة القادمات من الأيام، بعد ما عصفت بنا رياح أو نار حرب أتت على الأخضر واليابس، وأفسدت ما لم تفسده تلك الأيام، فنرى الفقراء والبؤساء الأكثر انتماء ووطنية دفعوا أغلى ما لديهم، فقدّموا أبناءهم قرابين.

فقراء مازالوا يقبعون تحت مطرقة الواقع المرّ وسندان الفاسدين والجشعين وتجار الحروب.

وهنا تأتي مهمة جد هامة من مهام الأدب والفن في تسليط الضوء وتصوير تلك الآلام والأحزان المتأتية من فقد وغربة ووحشة، بأعمال إبداعية فنية تليق بتلك الدماء وزفرات أم ثكلى وحرقة أو شوق يتيم لمسحة يد والده على رأسه صبيحة عيد.

كل هذا وذاك يحتاج إلى جهد ممنهج وخطط مبرمجة لتهيئة ظروف الإبداع الحقيقي. على سبيل المثال التأسيس لمنابر حرة نزيهة تديرها قامات وطنية اختصاصية معدّة جيداً كي تعمل جاهدة للوصول إلى واقع مجتمعي نظيف معافى.

وهذا العمل وما يشابهه ليس غريباً ولا طارئاً على المشهد الثقافي السوري، بل هو متجذر وأصيل.

ومن قرأ تاريخ هذه البقعة الجغرافية (البعيد منه والقريب) يدرك أننا أبناء حراك ثقافي، سياسي، اقتصادي، اجتماعي مهيب يضج بالحيوية، بالحياة.

لن نذهب بعيداً ونوغل في قراءة تاريخنا القديم ونتباكى على أمجاد الأجداد، ولكننا فقط نتحدث عن سنوات قليلة، وكثيرون من أساتذتنا يذكرها بدقة ويتحدث عن تفاصيلها بحميمية وزهو.

فقط سنعود بذاكرتنا وبعجالة إلى ما بعد الاستقلال، ونتحدث عن ملمح واحد وبسيط يمكن أن يدلل على ما كنا عليه من ألق وحيوية ونضوج، وما آلت إليه الحال.

لن أتحدث عن تلك الصالونات والمنتديات والملتقيات الأدبية التي كانت تنتشر في معظم محافظات سوريتنا الحبيبة، ولكن سأكتفي بالحديث عن عدد صحفنا ومجلاتنا اليومية منها والشهرية التي كانت تصدر في دمشق وحلب وحماة وغيرها من المحافظات والمدن السورية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر وبحسب تاريخ الصحافة السورية كما وثقه موقع التراث السوري الرسمي أن أول مجلة سورية مطبوعة صدرت عام 1851كما أن ما يمكننا ذكره أنه في عام 1920كان يصدر في سورية 31 مجلة و24 جريدة، وكان عدد سكان سورية آنذاك مليون ومئتي ألف نسمة.

وفي عام 1948 بلغ عدد الصحف والمجلات اليومية خمساً وأربعين جريدة وكان عدد سكان سورية أربعة ملايين نسمة.

وبعد عام 1960 تراجع عدد الصحف والمجلات بشكل ملحوظ مقارنة مع ما كانت عليه، واستمر ذلك حتى عام 2000 حين صدور قانون الإعلان، فسمح بترخيص المطبوعات بمختلف أنواعها، وجرى الترخيص لعشرات المطبوعات أهمها صحيفة الدومري – الوطن – القرار – الأيام – الأزمنة.. الخ.

لن أذكر عدد صحف ومجلات دمشق وحلب، ولكن سأخص مدينتي حماة، فقدبلغ عدد الصحف اليومية في الخمسينيات من القرن الماضي ست صحف (حماة- نهر العاصي – التوفيق- الإخاء- المرأة- النواعير).

ومن المجلات (المجلة البيطرية- الزراعة الحديثة – الوحي – المرأة – النواعير).

فقط قليلاً من الرغبة في عمل مؤسساتي – أهلي – مدني.. الخ، لتقديم ما يخدم واقع حالنا وحال مجتمعنا الذي يستحق منا الكثير الكثير.

العدد 890 - 11/12/2019