في الثقافة والأسئلة الأهم

عباس حيروقة: 

إن تأمل مشهدنا الثقافي وما آل إليه حال الثقافة والمثقفين يدعونا للتفكّر ملياً بالأسباب والمسبّبات التي قادتنا إلى ما نحن عليه من تشوه وتشويه طال هذا الحراك الهام جداً والخطير جداً، والذي من بدهيات مهامه نبذ القبح والاستبداد والشر والخراب، والعمل على تعزيز الجمال والسلام والحرية والانتصار لقيم المحبة وللوطن وللعالم الحر، للإنسانية.

لن أدخل في دهاليز تعريف الثقافة لغة واصطلاحاً في العربية واللغات الأخرى، ولن أذهب إلى ما قاله رموز الفكر والفلسفة والعلم في هذا الإطار، ولكن من البديهي أن نقول إن الثقافة هي الشكل الأرقى والأهم لأي نشاط اجتماعي، وهي تعكس وعياً حضارياً للفكر الإنساني. يتأتّى هذا الوعي من خلال المنجز القيمي الجمالي للأمة، لفكر الأمة، لمعتقداتها وآدابها وفنونها و..الخ من منجز فكري باذخ في مختلف مجالات الحياة.

فالمثقف الحقيقي هو الذي امتلك ويمتلك بصيرة حاذقة تمكنه من تشكيل نظرة عامة شاملة إلى كل مناحي الحياة بكل مكوناتها المادية والروحية، وهو صاحب طاقة فكرية معرفية أخلاقية تقوده للإصلاح للتغيير، للنقد المجتمعي كسلوك وكعادات، بهدف رفع المستوى الأخلاقي والقيمي والجمالي للإنسان.

من هنا يطرح أمامنا وبشكل واضح وصريح سؤال (الماهية) ماهية مثقفنا اليوم والدور المنوط به، والواجب القيام به أخلاقياً في ضوء ما تحدثنا به آنفاً.

مشهد ثقافي مُزرٍ تعكسه وقائع وحقائع مفجعة، بدءاً من الإصدارات وما يُقدّم من على المنابر من هشاشة حيناً، ومن سموم عكسته تلك الأحداث العاصفة بوطن الياسمين، وانتهاء ببعض القيمين على تلك المؤسسات الذين تحولوا بشكل مقصود أو غيره إلى كتل سرطانية امتدّت وامتدّت في جسد ثقافتنا.

لن نطيل ولن نتشعب أكثر ولكن هي ذي الأسئلة الكبرى التي يجب أن نمتلك كل الحق والحرية بطرحها وبصوت قوي وعلى الملأ، لعلنا نخجل من واقع رُسم له وخُطط له وأُشتغل عليه لعقود وعقود، إلى أن أوصلونا إلى شاهد ثقافي مشوه ومخيف علّنا ندرك ماهية القبح الذي نحن فيه أو عليه لعلّنا،

لعلّنا نصبح جديرين ببعض سنابل هذا الوطن العظيم.

.هي ذي الأسئلة الأهم:

أين مثقفنا العضوي النقدي الفعال؟ ولماذا هو غائب أو مغيّب؟؟ لماذا لا نجد غير المثقف التقليدي الوظيفيّ المخجل؟

هل هو فشل وفساد سياسات حكومات متعاقبة، أم سياسة إفشال خلّفت ما خلفته، ومن أبسط صوره على سبيل المثال ما يمكن أن نطرحه وبالفم الملآن:

لماذا لا نجد الحضور الذي يليق بكنه الكاتب وفكره وجهده؟!

لماذا خسرنا المتلقي الحقيقي، أو بالأحرى مجتمعنا؟!

لماذا يعجز جلّ إن لم نقل كل رجالات الفكر والأدب في هذا الوطن عن جمع ربع ما يمكن أن يجمعه رجل دين في خطبة له من على منبر في قرية نائية، أو فنانة من الدرجة العاشرة وهي تغني أو يتهيأ لها أنها تغني؟!

لماذا كان وما زال يُحشد إعلامياً ورسمياً لمباريات لمنتخب محلي على مستوى محافظة في دوري كروي أكثر بكثير مما كان وما زال أيضاً يحشد لمهرجانات شعرية وندوات وحوارات فكرية يشارك فيها رموز فكر وثقافة و.. الخ؟!

لماذا يصرف لمشارك في لقاء أدبي أو ندوة فكرية أو لقاء تلفزيوني مبلغ نخجل من ذكره، إذ لا يكفي شراء (سندويشة) لطفل بمرحلة تعليم أساسي رغم المطالبة مراراً وتكراراً.. ولكن؟! في حين نرى أو نسمع أن ما يصرف لفنان هنا وفنانة هناك أو للاعب كرة قدم ما يكفي لتمويل مهرجانات وملتقيات عام بأكمله؟!

لماذا نرى أو نسمع عن صرف مكافآت مالية كبيرة جداً لحارس مرمى فريق ما لعب مباراة ما (رغم أهميتها) تفوق رواتب- لا مكافآت- عشرات إن لم نقل مئات رجال يحمون الوطن؟!

واقع مخجل ولا يمكن الخروج منه إلا من خلال النهوض بالثقافة كما لا يمكن ان ننهض ثقافياً إن لم يتحقق الاهتمام بالمثقف والنهوض بواقعه وتحسين حاله، من خلال تهيئة ظروف الإبداع من فتح آفاق الحريات وسن قوانين جديدة تليق بالعقل السوري المبدع.

هي صرخة أطلقها بوجه هذا القبح الذي يسود العالم داعياً إلى البحث وفي في كل السبل عن نوافذ نطل من خلالها على الجمال، على الخير، على الحب. وأن نعمل على تعزيز ثقافة النقد والتفكر والحوار ثقافة الانتماء إلى وطن بحجم فراته ودمشقه وسنابل قمحه.

ختاماً، لا أجد أبهى وأبلغ من قول فيلسوف بحجم أفلاطون أنهي به مادتي لتكون دعوة لنا جميعا للتفكّر والتفكر والتفكر إذ قال: نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نُرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر.

العدد 919 - 15/07/2020