العالم حولنا يتغير!

يونس صالح: 

العالم من حولنا يتغير، فبعد مدة وجيزة لن يبقى كما عرفناه، ذاك أن القاعدة الاقتصادية والعلاقات الاقتصادية قد تغيرت بالفعل، كما أن النظريات التي أثرت في شؤون الحياة والناس لم تعد تلك التي خبرناها.

ذاك يعني أيضاً أن المستقبل سيكون شيئاً آخر، مختلفاً عن أكثر ما جنح له خيالنا من آفاق.

الأغرب من ذلك أن جذور مؤشرات التغير تلك، لم تكن بعيدة في التاريخ المعاصر، فهي قد بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل إن بعضها بدأ بعد ذلك بكثير، إلا أن تأثيراتها كانت وستكون كبيرة وعميقة وجدية على العالم وعلينا أيضاً.

وإذا أردنا أن نسبر تلك المتغيرات فسنلاحظ أنها منصبّة في مجرى واحد، هو المجرى الاقتصادي للشعوب والدول المتقدمة والسائرة في طريق النمو. والاقتصاد، كما نعلم، هو النشاط الإنساني الأكثر تأثيراً على الأنشطة الأخرى، والمؤثر في مسارها، وبالتالي على حياة الناس وعلاقاتهم ومستقبلهم.

أما المجال الزماني والمكاني الذي لهذه المتغيرات فيمكن حصره في ثلاثة تقريباً: أولها ما جرى للاتحاد السوفييتي السابق، وبزوغ الدولة الروسية الرأسمالية على أنقاضه، وثانياً الصين الشعبية، وأسرار تطورها السريع، بحيث أصبحت حالياً الدولة الثانية من حيث إجمالي ناتجها الوطني، وثالثها التغيرات في إطار الاقتصاد الرأسمالي ككل.

وسأركز الحديث على البند الثالث في هذه المقالة السريعة.

يقول الاقتصادي المشهور ب. أف. دروكر، في إحدى مقالاته إن الاقتصاد العالمي (أو ما يسمى بالاقتصاد الحر) ليس في طريقه إلى التغيّر، بل تغيّر بالفعل، وإن عدم إحساسنا بهذا التغير، وعدم التفاتنا إليه ناتج من أن الواقع يسبق المنظرين في عصرنا السريع.

إن التغيير في المسرح الاقتصادي العالمي، كما يراه دروكر، قد حدث في ثلاثة محاور رئيسية وبرز بوضوح في العقدين الأخيرين.

–      المحور الأول: أن الاقتصاد المتعلق بالمواد الأولية والأساسية لم يعد مرتبطاً بالاقتصاد الصناعي تماماً.

–      المحور الثاني: أن الاقتصاد الصناعي نفسه لم يعد الإنتاج فيه مرتبطاً بتشغيل اليد العاملة.

–      المحور الثالث: أن القوة الدافعة للاقتصاد العالمي في مجال إنتاج السلع وتقديم الخدمات أصبحت تعتمد على انتقال رؤوس الأموال وليس على الحركة التجارية وحدها.

كانت هناك مقولة شبه ثابتة في إطار الاقتصاد العالمي التقليدي، وهي أن المواد الأولية الأساسية للصناعة مرتبطة بشكل ما بالاقتصاد الصناعي، ولقد أثبت التاريخ الاقتصادي الحديث، إن مدحاً أو قدحاً للبحث العلمي المتطور، أن هذه العلاقة لم تعد بذلك الارتباط، بل إن بعضها قد ضعفت إلى درجة الاضمحلال.

إن هذه الحقيقة توصلنا إلى القول بأن الاقتصاد القائم على المواد الخام، التي تنتج في الغالب في البلدان النامية، أصبح منفصلاً عن الاقتصاد الصناعي في الغرب، ويعتبر هذا تغيراً في الهيكل الأساسي للاقتصاد العالمي له آثاره الكبيرة خاصة على البلدان النامية في الوقت الحالي وتتفاقم هذه الآثار في المستقبل (ما عدا النفط).

إن النسبة بين أسعار المواد المصنعة وأسعار المواد الخام التي تستخرج من الأرض لم تعد مرتبطة ببعضها البعض، ولم تعد الدول النامية المنتجة للمواد الأولية والأساسية قادرة على سداد ديونها عن طريق التبادل، أو حتى الوفاء بحاجات التنمية عن طريق بيع منتجاتها بأسعار معقولة في السوق العالمي، حيث لا تلوح في الأفق بوادر تشير إلى احتمال زيادة أسعار المواد الخام لتتناسب مع زيادة أسعار المواد المصنعة أو الخدمات التي تصدرها الدول الرأسمالية المتقدمة، بل إن التوجه العام هو أن تنخفض تلك الأسعار.

التغير الرئيسي الثاني في هيكل الاقتصاد العالمي، كما تقول النظرية الجديدة، هو فك الارتباط الذي كان قائماً بين الإنتاج الصناعي وتشغيل الأيدي التي تعمل في الصناعة. لقد صارت زيادة الإنتاج في البلدان الرأسمالية المتقدمة تعني التقليل من استخدام الأيدي العاملة، ونتيجة لذلك أصبحت تكاليف اليد العاملة لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من التكاليف الإجمالية للمنتجات الصناعية تقل باستمرار، ولم تعد عاملاً بارزاً في التنافس بين الشركات. وسقطت مقولة اقتصادية تمسك به الكثيرون في البلدان النامية للتدليل على إمكانية المنافسة، وهي (رخص اليد العاملة).

إن الحركة الصناعية في الدول الكبرى تزداد باطراد، ولكن حجم اليد العاملة في الصناعة يقل باطراد أيضاً نتيجة سياسة التطور التقني السريع (الأتمتة) وتحول اليد العاملة عالية التدريب إلى العمل في قطاع الخدمات الحديثة.

إن هذا التطور يوقع البلدان النامية في مأزق آخر، وهو أنه لم يعد رخص اليد العاملة يمثل امتيازاً نبياً لديها خاصة مع تخلف في مستويات التعليم ونقص في امتلاك المهارات التي تحتاجها الصناعات الدقيقة، وصناعة المعلومات، أما صناعة الاتصالات والمعلومات والصناعات الدقيقة والبحث العلمي والمعرفة والتقدم التقني ومختبرات التطوير والأدوية، فهي التي تأخذ النسبة الكبرى من اليد العاملة في البلدان المتطورة، وتترك البقية للآلة لتقوم بالعمل من ألفه إلى يائه.

 

الاقتصاد الرمزي

التغير الرئيسي الثالث في هيكل الاقتصاد العالمي هو طغيان وشيوع ما يسمى بالاقتصاد (الرمزي) وهو انتقال رؤوس الأموال وتدفق الودائع والمضاربة في أسعار تبادل العملات والتجارة غير المنظورة، هذا النوع من الاقتصاد، حتى فترة متأخرة، لم يكن الاقتصاديون التقليديون يعتبرونه اقتصاداً حقيقياً، فذلك عندهم هو الذي يعتمد على تدفق البضائع والخدمات، إلا أن وجود الاقتصاد الآخر (الرمزي) لا يخفى على أحد اليوم، كما أن تأثيره واضح للعيان. لقد أصبح سوق ما يسمى (الاقتصاد الرمزي) سوقاً ضخمة تتداول فيها أموال طائلة، هذه الأموال قد يجري تداولها أكثر من مرة في اليوم الواحد منتجة لأرباح كبيرة.

الملاحظة الأساسية هنا هي أن تحركات رأسمال ليس لها كما كان في السابق، علاقة بالتجارة العالمية، بمعنى انتقال السلع والخدمات، كما أنها ليست متصلة بها، بل أصبحت هناك حركة مالية تتخطى الحدود، وتغير من نظريات اقتصادية كاملة، كأن يكون العجز في ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية أكبر عجز في التاريخ، ومع ذلك تستقطب أموالاً وسيولة نقدية عالمية، تجنّبها، إلى حين، مواجهة المشكلات الاقتصادية المعقدة.

هذا الاقتصاد الرمزي، أهم ما يميزه أنه خارج القوانين الاقتصادية الوطنية، يبحث عن أرباح حتى لو كانت في المناطق الحرة، وفي الوقت نفسه يضرب عرض الحائط بعناصر الاقتصاد المعروفة كدورة رأسمال ومعدل الربح ونوع النشاط وقضايا العمالة.

قد يكون من السابق لأوانه التنبؤ بما سيكون عليه الحال الاقتصادي العالمي في المستقبل، إلا أن هناك مؤشرات واضحة المعامل تدفعنا نحن في البلدان النامية إلى التفكير الجدي، فلا النظريات التقليدية الاشتراكية في الاقتصاد ثابتة، ولا عناصر النظريات الكلاسيكية في الاقتصاد الرأسمالي ثابتة أيضاً. إن أكبر المتضررين بما يجري هي البلدان النامية الفقيرة، ذات المصادر الأولية غير المصنعة من المواد الخام.

ولم تعد تلك المصادر الأولية أساسية للاقتصاد الصناعي، كما لم يعد رخص اليد العاملة فيها إيجابية للتنافس بعد (الأتمتة) مما يفاقم مشكلاتها الاجتماعية.

إن مسألة بهذا العمق لا يمكن الإجابة عنها ببعض العبارات التحذيرية أو التشجيعية، جوهر القضية هنا متعدد، فهناك العلاقات الاقتصادية بين الدول النامية بعضها ببعض والتي يجب أن تعدل.

لقد كان الجنوب تاريخياً سلة المواد الخام للعالم، أليست المسألة معلقة على الاستغلال الأمثل لهذه المواد الخام!

وهناك أيضاً حتمية النظر إلى طرق جديدة وغير تقليدية لإدارة التنمية واستغلال الموارد في هذا الجنوب وصولاً إلى تكامل حقيقي بين بلدانه.

وفوق ذلك كله فالمطلوب في حقيقة الأمر وضع سياسات اقتصادية جديدة ومناسبة تواكب العالم الذي يتغير حولنا.

 

العدد 873 - 07/08/2019