بين S400 و F35 انتصار للصناعة العسكرية الروسية وأسرار أخرى!

ريم الحسين:

بعد أن صدر رسمياً استلام تركيا للأجزاء الأولى من منظومة (إس ٤٠٠) ما هو السيناريو المحتمل لرد الفعل الأمريكي وخصوصاً بعد الخلافات السابقة فيما يخص هذه المنظومة وتزويد تركيا بها؟ وكانت قد ضجت منذ فترة الصحف ونشرات الأخبار والتصريحات بموضوع (إس ٤٠٠).

 

ما هو S 400 ؟

منظومة دفاعية متكاملة، وهو أيقونة الدفاع الجوي الروسي، ولديه مزايا كثيرة من بينها قدرته على التعامل مع ٨٠ هدفاً معادياً في الوقت نفسه، ويمثل خطراً كبيراً على المقاتلات المعادية.

المشكلة أن الأتراك في عام ٢٠١٧ قرروا التفاوض لشراء هذه المنظومة وتعاقدوا عليها، الأمر الذي أصاب الأمريكي وحلفاءه الغربيين في حلف شمال الأطلسي بالصدمة. في البداية اعتبروا أن التركي يناور ويستخدم الصاروخ والمناورة للحصول على تنازل منهم في ملفات أخرى.

لكن المفاجأة كانت أن التركي جاد في شراء منظومة الصواريخ، ما المشكلة إذاً في استلام تركيا المنظومة وقد حصلت عليها سابقاً الهند والصين وعشرات من دول العالم مهتمة للتعاقد على شراءها!

المشكلة أن تركيا دولة موجودة في حلف شمال الأطلسي، حلف الناتو الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية بهدف واحد رئيس وهو حماية الدول الغربية من أخطار الاتحاد السوفيتي أولاً، ثم لاحقاً بعد انهيار الاتحاد حمايتها من الأخطار التي تشكلها روسيا بنظرهم.

فهل يعقل أن دولة في حلف شمال الاطلسي تتعاقد على شراء منظومة دفاع جوي صنعت في الأساس لتهديد المقاتلات الأمريكية والغربية!؟

الأمريكي حاول إقناع التركي بالعدول عن الصفقة في البداية استخدم الاغراءات، وسألوه عن الهدف من هذه الصفقة، فكان الجواب من البديهي أنه يريد تمكين دفاعاته الجوية ويحمي حدوده وأمنه، فعرضوا عليه منظومات مشابهة من إنتاج أمريكي وغربي ومنها الباتريوت التي كانت تركيا موعودة بها وماطلت بتسليمها لها سابقاً، فوافق التركي على شرائها مع منظومة إس ٤٠٠!!

فكان الجواب: نحن نقدم لك الباتريوت، فما حاجتك إلى إس ٤٠٠؟!

وتخطت أمريكا وحلفاؤها الإغراءات بعد إصرار التركي، وبدأت مرحلة الضغوط التي تعددت أشكالها ومنها الحرمان من الحصول على الأسلحة الغربية التي هي قوام الأمن القومي التركي، ذلك أن أغلب الأسلحة التركية هي من إنتاج غربي، ثم التهديد بحرمانه من المقاتلة F35 أيقونة السلاح الجوي الأمريكي التي تعتبرها الولايات المتحدة المقاتلة الرئيسية بعد  F15 و F16 لها ولدول حلف الناتو،

وكان التركي يعزم على تجميد المقاتلة الرئيسية F16 في عام ٢٠٢٣ على أن تحل محلها F35 التي تسمى الطائرة الشبح، وتعاقد على شراء ١٠٠ مقاتلة منها. وتعتبر تركيا أيضاً مشاركة في تمويل إنتاجها لأن قانون العمل في حلف شمال الأطلسي ينص على أن المصنع هو الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الدول المستفيدة من أي صناعة حربية في حلف شمال الأطلسي تقوم بتمويل هذا الإنتاج وتصنيع أجزاء ليست رئيسية، لأن التكنولوجيا موجودة لدى الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن أيضاً بعد التهديد بحرمانه من المقاتلة F35 التي يقوم بالتدريب على أول مقاتلتين منها حالياً هم الأتراك في إحدى القواعد العسكرية الأمريكية، وكان من المفترض أن تصل أول دفعة منها بداية هذا العام، رفض التركي التخلي عن صفقة إس ٤٠٠!

الأمريكي وحلفاؤه لديهم مصدران أساسيان للمخاوف اتجاه إس ٤٠٠، الأول هو سبب تقني وفني عسكري، ذلك أن لديهم قناعة أن إس ٤٠٠ المتطور قادر على الحصول على البيانات الداتا والأسرار لل F35

فالوضع الغريب أن التركي الموجود في حلف الناتو يريد أن يحصل على المقاتلات الأمريكية في السماء ومنظومة الصواريخ الروسية أرض جو التي تستهدف هذه المقاتلة.

وبما أن هذه المنظومة قادرة على الحصول على بيانات وأسرار التكنولوجيا الأمريكية لهذه المقاتلة، فهذه التكنولوجيا ستصبح بين يدي الروسي، وقد حاول التركي جاهداً إقناع حلفائه أنه لن يسمح للروس لا بتركيب المنظومة ولا إدارتها ولا أن يضعوا فيها أي وسيلة للتجسس على طائرات الأمريكي، والأمريكي لم يقتنع وحسب ما صرح وتسرب بأنه غير مقتنع بأن للأتراك الخبرة والقدرة على إدارة هذا النوع من الصواريخ دون الاستعانة بالخبراء الروس.

السبب الثاني لمخاوف الأمريكي هو اقتصادي، فصناعة السلاح صناعة مربحة جداً لأن متوسط مبيعات السلاح سنوياً تتجاوز المئة المليار دولار، ثلثها يستحوذ عليه الأمريكي والباقي موزع على دول العالم، في المركز الثاني الروس ثم الفرنسيون والألمان، ثم دول أخرى تقدمت في الفترة الأخيرة الصين في المركز الخامس حيث أزاحت دولاً مهمة كبريطانيا. وقد أكدت بعض الدراسات أنها ستقفز للمركز الثالث قريباً بعد الروس. فإذا اشترى الأتراك هذه المنظومة فسيغري ذلك دولاً أخرى كثيرة على شراء السلاح الروسي. فإذا كانت دولة في حلف شمال الأطلسي تشتري السلاح الروسي وتفضله على صناعة حلفائها، فذلك سيعطي جاذبية أكبر ودعاية كبيرة للسلاح الروسي، وخصوصاً مع زيادة اهتمام دول محسوبة على المعسكر الغربي كالسعودية التي تبدي اهتماماً في شراء السلاح الروسي، والعراق الذي أصبح من أكثر دول العالم شراء للسلاح الروسي رغم الاحتلال الأمريكي المباشر وغير المباشر، وهذه أمثلة على تصاعد الاهتمام بمنظومة السلاح الروسي وخسارة المعسكر الغربي وأمريكا لإيرادات كبيرة من تجارة السلاح.

من ناحية أخرى لدى التركي دوافع كثيرة للاتجاه نحو السلاح الروسي لفهم أشمل، فالتركي لديه إحباط متعدد المستويات من الغرب، فعلى مستوى الاتحاد الأوربي بعد أكثر من ٧٠ سنة من التفاوض لدخول تركيا في هذا الاتحاد كعضو يدرك أنه لم ولن يدخل، وعلى مستوى تسليح الدولة التركية منذ بدأ طموحها في بداية السبعينيات والثمانينيات لصناعة سلاح محلي خاص بها تشكو من بطء الولايات المتحدة في توطين التكنولوجيا من السلاح المشترى منها، فهي تشترط ككل الدول توطين التكنولوجيا والأمريكي يتباطأ.

الأمريكي لديه اعتباران، الأول الحرص على جعل حلفائه أقوياء لأنه مستفيد من قوتهم، لكنه يتضرر من فكرة توطين التكنولوجيا لأن ذلك يعني خسائر في قطاع الصناعة الحربية الأمريكية نتيجة حرمانها من مبيعات مهمة للدخل لديها.

إضافة إلى الملف السوري، فهناك اختلاف وتباين كبير جداً في السياسات والمصالح بين البلدين، فقد أصبح التركي والأمريكي الحليفين منذ الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الحلف ضد الاتحاد السوفيتي سابقاً، يقفان في معسكرين مختلفين على الساحة السورية مع العلم أن المعسكرين عدائيين للدولة السورية والشعب السوري، لكن هناك اختلاف في التوجهات والمصالح، فالأمريكي يدعم الأكراد لوجستياً وسياسياً وعسكرياً، بينما التركي يسعى لضرب الأكراد وهذا التوجه قديم وليس بالجديد. وبدأت بوادر الخلاف على الملف الكردي بشكل صريح منذ احتلال العراق، وقد وجه ترامب تهديداً مباشر لتركيا إن فكرت في ضرب الأكراد الذين يشكلون خطراً محدقاً عليها، بأنه سيدمر الاقتصاد التركي، وهذا مصدر إحباط آخر للتركي.

وهناك سبب آخر مهم ومسكوت عنه والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يتحدث عنه علناً لكنه أصبح معروفاً، وهو اتهام الولايات المتحدة بمحاولة الانقلاب الذي فشل في تموز ٢٠١٦ فهو يعتقد أن الأمريكي دبر مع حلفائه من دول أوربية ودول عربية كالإمارات هذا الانقلاب، وهو مقتنع بسعي الولايات المتحدة للتخلص منه، ولذلك هو راغب في الاستقلال تدريجياً عن المعسكر الغربي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، و إس ٤٠٠ هو نتيجة هذا التحول الكبير.

وبعض التحليلات رأت أن أردوغان لا يريد فقط إس ٤٠٠ لضمان أمنه الخارجي، وإنما تخوفه من احتمال حصول محاولة انقلاب آخر، ولذلك يحتاط منها حيث يصطفي الضباط الموثوقين وأصحاب الولاء له ويقوم بتدريبهم على هذه المنظومة لدرء المخاطر الخارجية، إضافة إلى مواجهة أي مجموعة من الطيارين قد تقوم بالانقلاب مستقبلاً إن فكر بعضهم بالانقلاب عليه.

القضية متشابكة وهناك سيناريوهات عديدة لإصرار التركي على إس ٤٠٠، والسيناريو المحتمل كما هو معروف أن العدو التركي حليف رئيسي للعدو الأمريكي مهما حدث وقد يجدان حلاً وسطاً وسيتجاوزان خلافاتهما كما حدث سابقاً مرات عديدة وخصوصاً بعد عام ١٩٧٤ إبان الغزو التركي لقبرص، أو يحدث طلاق فعلي بين تركيا وحلف شمال الأطلسي، وتتغير خارطة التحالفات في المنطقة.

فضلاً عن المفاوضات الجارية بين الحليف الروسي والعدو التركي حول مصير الشمال السوري من تحت الطاولة وعبر مؤتمرات مثل أستانا المتكرر، فهل سنشهد تغييراً في سياسة التركي العدائية اتجاه الدولة السورية، وتنفيذ تعهداته بسحب مرتزقته من الشمال السوري، وربما نشهد قريباً مواجهة بينه وبين الأكراد، ولاحقاً الأمريكي؟

سيناريوهات عديدة كما ذكر، على أمل أن تجد هذه الحرب طريقاً للنهاية قريباً وهذا ما يهمنا كسوريين أن تنعكس الحنكة للحليف الروسي في هذا المجال حتى لو تحالف مع الشيطان نفسه!

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

 

العدد 889 - 4/12/2019