هل توجد قوى ديمقراطية فعلاً في الساحات العربية؟!

محمد علي شعبان:

لقد بات واضحاً للجميع أن بعض الشخصيات التي تحدثت باسم الديمقراطية خلال العقدين السابقين، لم تنجح في أول اختبار لها مع انطلاق (الثورات المضادة بما يسمى الربيع العربي)، لكنها ليست المسؤولة الوحيدة عن فشلها، بسبب التعقيدات الحياتية على كل الأصعدة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، التي تشكلت عبر عقود من الزمن، وشكلت بصمات من الهزائم المجتمعية، منذ احتلال فلسطين وتشريد أهلها من قبل الكيان الصهيوني.

إن الأنظمة العربية التي حكمت لمدة سبعين عاماً، هي المسؤول الأول عن العديد من الهزائم، التي حلت بالمجتمعات العربية. لقد كان بمقدورها فعل الكثير من الأشياء الهامة لشعوبها، أسوة بالدول التي تطورت وسبقتها، والتي لا تملك من مقومات التطور أكثر مما تملكه أية دولة عربية بمفردها. وتتجلى مسؤوليتها بعدة أسباب، أهمها:

1-فشل المشروع العربي ،الذي ادّعت تبنيه معظم الدول العربية، وعملت على إجهاضه ، لأن البنية الفكرية التي حكمت من خلالها السلطات العربية، لم ترقَ إلى مستوى إدراك الوطن وأهميته، الذي يحتاج إلى شكل جديد من التشاركية وتحفيز الطاقات المجتمعية عامة، بغية النهوض بالمجتمعات من حالة الاستنقاع إلى حالة الحركة، التي تساهم بتطور البلدان وازدهارها. لقد حُكمت البلدان العربية بمنطق القبائل والعشائر، التي تحمل في بنيانها ثقافة الحروب والغزو، والتي تشرعن الغنائم والسبايا، كما تحمل القلق الداخلي الدائم خوفاً من الغدر، داخل العشيرة الواحدة، فيبقى هدفها الحفاظ على كرسي العرش غاية بحد ذاتها، محدودة الاهتمام بآليات تعاكس في طبيعتها بناء الأوطان، صاحبة المشاريع التنويرية التي تسعى للتطور والنهوض.

2-السماح للعديد من المشاريع الإقليمية التوسعية بالنشاط والعمل في المنطقة العربية، مع أنها تمانع مجرد التفكير بمشروع عربي، وتعمل على إفشال أي تقارب بين الدول العربية، لتتمكن من تحقيق مشروعها طالما بقيت الدول العربية ضعيفة ومفككة، مشغولة بأزماتها الداخلية التي تبقيها محكومة بعقلية القبيلة والعشيرة التي تعيق بناء الدولة.

صحيح أن هناك تباينات وفوارق بين المشروع التركي والمشروع الإيراني، لكن التقاطع بينهما يقوم على تفتيت المنطقة العربية وجعلها سوقاً لمنتجاتهما. لكن مشروع الكيان الصهيوني يعتمد على خلق الصراع الدائم، والعداء بين الدول من جهة وبين الطوائف والمذاهب من جهة أخرى، ويهدف إلى تقسيم المنطقة وتفتيتها، بغية قيام دويلات أو كيانات طائفية وقومية شبيهة به، متقاطعاً مع المشاريع الدولية التي تريد للمنطقة العربية أن تبقى كتلة نارية ملتهبة تأخذ مقدراتها ثمناً للسلاح الذي تبيعه لها، وتتحكم في حاضرها ومستقبلها.

3-موقع المنطقة العربية وطبيعتها ومناخها، إضافة إلى ثروتها النفطية، يجعلها محطة أطماع دولية، مما جعل الدول الاستعمارية الكبرى تسعى إلى ضمان موطئ قدم لها في كل دولة عربية، بطرق مختلفة وأساليب ناعمة تارة، وتصعيدية تارة أخرى.

4-الدور الحاسم والفعال للمعتقدات الدينية المرتبطة عضوياً بأنظمة الحكم التي تسود في المنطقة العربية، والتي تعمل على تقديس الفرد (الحاكم) وتبرّر أخطاءه وتشرعن تصرفاته كيفما كانت، وتعمل على تحريم وإلغاء العمل السياسي المتعارض مع طاعة الحاكم، الذي يمثل سلطة الله على الأرض.

5-طبيعة أنظمة الحكم الشمولية التي حكمت الدول العربية على اختلاف مسمياتها، ملكية كانت أو جمهورية، ونهجها. فقد عملت على إلغاء الحياة السياسية، بأشكال مختلفة في مجتمعاتها، وكرست العقلية الفردية الملهمة والخلاقة، ومنعت بذلك أي تشاركية أو تنافس بين الأفراد والقوى. وأصبح القرب والبعد من الشخصية الملهمة يحدد مسؤولية الأفراد ومشاركتهم بإدارة شؤون البلاد. وأصبحت الكفاءات بالمقام الثاني أو الثالث وحسب الولاءات للحاكم.

6-الأوضاع الاقتصادية السيئة مقارنة بالبلدان المتقدمة، إضافة إلى الضغوط الأخرى المتنوعة، التي تجعل الغربة في الأوطان حالة معيشة عن العديد من الأفراد، الذين لم يكن الولاء والطاعة للحاكم في سلم أولوياتهم.

بيد أن هذه الأجواء ولدت الإحباط واليأس عند بعض النخب ذات الخبرات العالية، مما دفعها للهجرة خارج الوطن، فأصبحت غالبية النخب العربية موجودة في الدول المتقدمة بغية تحقيق ذاتها التي لم تستطيع تحقيقها في بلدانها.

جميع هذه الأسباب وغيرها لم تسمح بتشكيل مناخ للحياة السياسية في معظم البلدان، بيد أن الأوطان التي تفتقد لوجود مناخ للعمل السياسي، كيف لها أن تخلق قوى سياسية وديمقراطية طبيعية؟

إن الأجواء الطبيعية والآمنة والتي يتمتع المواطنون فيها بالحرية والكرامة، وتكافؤ الفرص وتوزيع الثروة بشكل عادل، هي التي تصنع المواطنين الأقوياء الذين يعملون من أجل أوطانهم ويضحون في سبيلها طوعاً، وإن لغة الإقصاء والتهميش تدفع المواطنين إلى مزيد من التطرف والعنف، وخاصة في المجتمعات المتخلفة.

هذه الأجواء منعت وجود قوى سياسية، أو ديمقراطية، قادرة على الفعل. لقد حافظت بعض النخب على وجودها، رغم كل المضايقات التي تعرضت لها، وما زال الطريق شاقاً أمامها، ومحفوفاً بالمخاطر من جميع الأطراف الفاعلة، في المجتمعات العربية، الدينية منها والسلطوية، اللتين تشكلان الخطر الأكبر على وجود قوى ديمقراطية، أو مناخ مناسب لخلق قوى كهذه.

العدد 873 - 07/08/2019