فضاءات ضيقة | وحدة التنوع والاختلاف نسيج النفس البشرية

د. عاطف  البطرس:  

لو وضع كلٌّ منا نفسه تحت المجهر، أو عرضها للتشريح، أو لنقُل لو قام بحفريات لبحث مكوّناتها، بموضوعية وحيادية قدر المستطاع، مع أن العملية ليست بسيطة كما نعتقد للوهلة الأولى، فهي بمنتهى التعقيد.

فالانسجام الظاهري يعكس تناقضات عميقة في الداخل، وتنوعاً في التكوين، إلا أن التنوع والتناقض فيها لا ينفيان وحدة التكون.

الإنسان في تشكله الداخلي، صورة مصغرة عن العالم، وهو ابن التاريخ وصناعة البيئة الجغرافية، تصقله وترسم ملامحه العامة الثقافةُ التي يتحصّل عليها، وبما أنه لا يوجد ثقافة صافية أو نقية، وإنما تمازج ثقافات وتنوّع معارف، وتعدّد مصادر، لذلك كانت النفس البشرية محصلة تفاعل وليس تضايفياً وإنما تفاعلياً لكل ما يمتلك الإنسان من معارف.

استناداً إلى ذلك، من حق كل إنسان أن يعبّر عن تعدديته في إطار وحدة التشكل، بالطريقة التي لا يسيء فيها للآخرين الذين يملكون الحق نفسه في التعبير عن أنفسهم والإدلاء بآرائهم، وفي اتخاذ مواقف تنسجم مع مرجعياتهم النظرية ومصادرهم المعرفية.

الخلاف في الرأي والمرجعية، يعكس موضوعية التنوع، فالحياة تنوع واختلاف، وأكبر دليل على ذلك هو غنى الطبيعة المحيطة بالإنسان التي هو جزء من مكوناتها، ييشكل من خلالها في الوقت الذي يعبّر تكوينه الداخلي عنها بوعي منه أو بشكل عضوي.

هذا التنوع والاختلاف في التكوين الداخلي، الذي ينعكس على المجتمع بتنوع أغنى وأعمق، يشكّل أحد أهم مقومات الوحدة والانسجام الاجتماعي تماماً، كوحدة النفس البشرية وانسجام تكوينها.

صحيح أن المجتمع مكوّن من فئات وطبقات لها مصالح متعارضة أحياناً ومتصارعة أحياناً أخرى إلى حد التصادم، لكنها، في محطات تاريخية محددة، تميل إلى التوافق والتصالح من أجل تحقيق الأهداف العليا للمجتمع ولكل فئاته الاجتماعية.

فالوحدة الوطنية في لحظات تعرُّض الكلية الاجتماعية لتهديدات التفكك والانهيار، لابد لها من الترفع عن مصالحها الآنية، وتجاوز ضيق أفقها، بالانفتاح على المصلحة الكلية للمجتمع. وعليه فاختلاف الرأي ووجهات النظر المتعددة إلى القضية الواحدة، والحوار بين الآراء المختلفة يؤدي إلى خيارات أقرب إلى الصواب مما لو اقتصرت الأجوبة على فئة أو رأي أو وجهة نظر فئوية، لا تتعدى أجوبتها حدود مصالحها.

حرية الرأي (الاعتقاد) حق لكل مواطن، ولا يكتمل هذا الحق إلا بحرية التعبير التي يجب أن تصان دستورياً وعملياً، فمهما تنوعت الآراء، واختلفت المواقف وتصادمت، يمكن أن نجد لها حلولاً إذا أتقنّا إدارة الحوار على أساس التكافؤ فيه، وتخلّصنا من أوهام امتلاك الحقيقة وادّعاء تمثيل الكلية الاجتماعية.

فن إدارة التنوع هو الناظم لإدارة الاختلاف.

العدد 887 - 20/11/2019