فضاءات ضيقة | جريدة “النور”.. توازن واتزان

د. عاطف البطرس:

صدرت جريدة (النور) عام 1955 تحمل فكراً إنسانياً ذا بعد طبقي وطني، لا يعزل بين العناصر المكونة له، وهي تعتمد منهجية واضحة ومرجعية صريحة تتبنى الفلسفة المادية الجدلية في تناول القضايا التي تعالجها على صفحاتها.

توجُّه جريدة (النور) الوطني الطبقي التقدمي أغضب الأجهزة الأمنية لدولة الوحدة، فكان قرار منع الجريدة الذي جاء في سياق حملة محاربة الحزب الشيوعي السوري من قبل دولة الوحدة السورية المصرية التي زجت بالشيوعيين وغيرهم من الوطنيين في السجون والمعتقلات، وأذاقتهم شتى أنواع التعذيب بسبب نقدهم لسياسات حكومة الوحدة وأجهزتها الأمنية.

صمد سجناء المزة وغيره من السجون السورية وتماسكوا وحافظوا على انتمائهم لحزبهم الذي حُلّ بقرار سياسي لم يوافق الحزب عليه، واستمر في المواجهة إلى أن أُطلق سراح جميع الشيوعيين في عهد الانفصال.

بقيت جريدة (النور) متوقفة عن الصدور حتى 13/5/،2001 فعادت إلى الصدور بحلة جديدة مواصلة نهجها وطريقها السابق، متمسكة بمرجعيتها الفكرية ووفائها لمبادئها الوطنية الطبقية الإنسانية.

استُقبل إعادة إصدار جريدة (النور) بترحيب واسع من قبل القراء والمثقفين ومعظم السياسيين في سورية، لما احتوته صفحاتها من رؤى وآراء ومواقف أساسها الوحدة الوطنية والانفتاح على كل القوى السياسية والتيارات الفكرية في سورية، متمسكة بنهجها الثابت في عدم التقوقع والابتعاد عن الانغلاق في عملية انفتاح مبرمجة ومدروسة.

قال لينين القائد والمفكر والسياسي البارع: (أعطني جريدة ثورية، أُعطِك حزباً ثورياً!). في ظل انحسار دور الصحافة المقروءة وتعاظم تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والتلفزة وثورة الاتصالات، تواجه الصحافة تحديات كبيرة، فهل مازالت الصحافة تقوم بالوظائف نفسها التي كانت تضعها أمامها في المرحلة السابقة؟

مما لا شك فيه أن الصحافة وبشكل خاصة الحزبية منها، قد تبدلت مهامها، وتغيرت أدواتها، لذلك كانت جريدة (النور) جريدة منفتحة، يصدرها الحزب ويشرف عليها دون التدخل المباشر في تحديد موضوعات صفحاتها التي تتناول السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والقضايا الاجتماعية، وعلى رأسها الانحياز الكامل للمظلومين والمضطهدين وجميع العاملين بأيديهم وبأدمغتهم.

حافظت الجريدة على بعدها الطبقي منذ صدورها الأول، فكانت مناصرة لمطالب العمال والفلاحين، مدافعة بجرأة وشجاعة عن حقوقهم، منتصرة لقضاياهم العادلة.

جريدة (النور) سياسية فكرية ثقافية تقوم على توازن العلاقة بين مكوناتها، مرجعيتها واضحة، لكن وبحكم المستجدات والمتغيرات على الساحتين المحلية والدولية، يتم التركيز على الموضوعات الأكثر إلحاحاً دون إهمال الموضوعات الرئيسية التي تشكل عماد الجريدة ومحط اهتمامها.

كانت جريدة (النور) ومازالت تتمسك بالتوازن والاتزان بين جميع صفحاتها، ولقد لعبت دوراً متميزاً في الحرب الدائرة في بلدنا، بما كتب على صفحاتها التي عكست رأي الحزب الشيوعي السوري الموحد وموقفه من الأحداث، موازنة لعلاقة الداخل بالخارج في أحداث الحرب وتطوراتهما منذ شرارتها الأولى في عام 2011 حتى اليوم.

تعرضت جريدة (النور) لصعوبات وامتحانات قاسية، مما اضطر المشرفين عليها لتقليص عدد صفحاتها من 12 صفحة إلى8 صفحات، كما انخفضت أعداد الإصدار مع سوء في التوزيع.

نأمل، ونحن نبدأ السنة التاسعة عشرة لإعادة الإصدار، أن تتجاوز جريدة (النور) الصعوبات والمعيقات التي تواجهها، وأن تستمر في القيام بواجبها الوطني وتساهم في الدفاع عن وحدة الأرض السورية، وتمتين الوحدة الوطنية، ومواجهة مظاهر التفاوت الطبقي الحاد ومحاربة الفساد ونشر الفكر العلمي العقلاني، وصولاً إلى دولة علمانية ديمقراطية، في وطن يحقق لكل أبنائه حقوقهم الإنسانية المشروعة.

تنتهز هيئة تحرير جريدة (النور) هذه المناسبة وتتوجه بالتحية والتقدير إلى كل من ساهم في الكتابة للجريدة ولمن أبدى رأياً حول ما ينشر فيها، ولجميع العالمين من محررين وفنيين ونخص بالشكر جميع المشتركين آملين أن تحافظ الجريدة على خطها العام في خدمة الوطن والحقيقة والعدالة والجمال.

العدد 887 - 20/11/2019