عقلية الثأر لا تبني دولة

إيمان أحمد ونوس:

(عقلية الثأر لا تبني دولة) مقولة نطقها وعمل بها نيلسون مانديلا الذي قضى سنوات ليست بالقليلة أو البسيطة في سجون حكومة التمييز العنصري بجنوب إفريقيا، وذلك حين تعامل مع سجّانيه وخصومه بعد خروجه من السجن عام 1990 وتوليه الحكم عام ،1994 فقد أسس دستوراً جديداً ولجنة للحقيقة والمُصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، وقد أشاد مانديلا بتقرير هذه اللجنة الذي صدر عام 1998 قائلاً: (إنها ساعدتنا في الابتعاد عن الماضي والتركيز على الحاضر والمستقبل).

إذا ما أمعنّا النظر جيداً بمقولة مانديلا أعلاه، وما كانت عليه جنوب إفريقيا بسبب التمييز العنصري الذي أدى إلى إراقة الكثير من الدماء تزامناً مع المزيد من التنكيل والقمع الذي عزّز حالة مُستشرية من العنف والتخلّف في المجتمع، نُدرك ضرورة وأهمية ما وصل إليه حالها كدولة وحال المجتمع ذاته، بعد مصالحات ومُسامحة استغرقت الكثير من الوقت والجهد والقوة والإرادة من أجل الانتصار على العنف، والتخلّص من ذهنية الثأر التي لا يمكنها بحال من الأحوال أن تسير بالحياة والمجتمع إلاّ إلى مزيد من الدماء والخراب على المستوى الفردي والرسمي.

وكما أن العنف في أيّ مجتمع لا يمكنه إلاّ توليد المزيد من العنف والتوحّش والضعف والتخلّف الذي يُعطّل بناء الفرد والمجتمع والدولة على حدٍّ سواء، فإن الابتعاد عنه وبكل أشكاله وصوره، وأيضاً امتلاك الرغبة الحقيقية والجّادة للتخلّص من ذهنية الثأر مهما كانت مُحقّة في بعض الأحيان والحالات، ستغدو مع مرور الوقت ردَّ فعل طبيعياً واستجابة مطلوبة من الجميع بعد امتلاك إرادة قوية ورغبة حقيقية للتسامح بين أفراد المجتمع بكل مكوناته، من أجل النهوض من مستنقع العنف والكراهية ورفض الآخر، ليكون الاختلاف في المواقف والآراء بداية صحية وضرورية من أجل بناء مجتمع متطور ودولة قوية ومستقبل أرقى للجميع.

هذا ما نحتاجه اليوم كسوريين (دولة ومجتمعاً) بكل إصرار، من أجل سورية مدنية علمانية تحتضن كل أبنائها على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم وآرائهم، فهل نحن قادرون؟

العدد 919 - 15/07/2020