من القلب إلى القلب | الطيب تيزيني.. صورة المثقف السوري في مأساته وتناقضاته!

عمـاد نـداف:

عندما أخبرني الدكتور الطيب تيزيني، في بيته في حمص، أنه كان يعمل مؤذناً في مسجد الحارة التي كان يعيش فيها هناك، دُهشت، فكيف يخرج من البيئة الشعبية المتديّنة مفكِّرٌ علمانيّ يضع الخطوط العامة لنظرية التغيير التي يراها مناسبة للمشروع النهضوي العربي، ووفقاً للمنهج الماركسي اللينيني؟!

لا أعرف ما الذي انتابني وقتذاك، لأطلب من الدكتور الطيب أن يؤدي الأذان أمامي، بعد أن أجابني بأنه يحفظ عبارات الأذان المعروفة. وقد استمر الحوار معه أكثر من جلسة، في حمص وفي دمشق، بمشاركة زميل صحافي هو الآن خارج البلاد.

وفي ذلك اللقاء، أخبرني شيئاً مهماً مضمونه أن كل تلك الكتب التي أصدرها، لم يقبض من ريعها أي شيء، ثم استدرك أنه قبض مئة ألف ليرة سورية فقط من دار نشر مغربية (!!!).

لم يكن الدكتور الطيب تيزيني صديقي، فأنا لم ألتقِ معه إلا في ذلك الحوار المتعدد بين حمص ودمشق، وعندما اندلعت الحرب، دقّقت جيداً في موقفه وموقف أدونيس من الأزمة، لأن من المفترض أن يقدّم أيّ مفكر مثلهما جواباً لأمثالنا عما يحصل في الوطن الذي نعيش فيه. فأدونيس لم يكن يؤيد ثورة تخرج من المساجد، والدكتور الطيب وقف معها دون تردد.

وبين بداية الحرب، أو الأزمة، أو المؤامرة، أو الثورة كما يريد أن يراها كل صاحب رأي، والاقتراب من نهايتها، إذا افترضنا أنها تنتهي اليوم، بينهما مساحة للتفكير: هل نحن مع أدونيس أم مع الطيب؟ أم ثمة حرب فعلية شنَّت على السوريين، واتضحت أطرافها؟!

كانت حرباً مجنونة، لم أكن أتصور أنني سأعيشها، حتى في الكوابيس، ويوم كانت الحرب في أوجها، والسيارات المفخخة، والقذائف تنتشر في شوارع دمشق، شاهدته، وأتذكر أن ذلك كان في أواخر عام ،2015 كان يمشي قرب فندق الشام، مع الدكتور علي القيم، والسيدة الناشرة أنطوانيت عطية، فوقفت وصافحتهم كأصدقاء، وسألته: هل تذكرني؟! فأجاب: طبعاً!

وعندئذٍ، طلبت منه طلباً غريباً، فقد كانت هجرة العقول والخبرات من سورية في قمتها، وكنا نرى بيوت دمشق وهي تغلق، ونرى الأصدقاء، وهم يسافرون سراً أوعلناً بعيداً عن بلادهم التي تحترق، وكانت المأساة كبيرة. قلت للدكتور الطيب:

ــ أرجوك لا تسافر! لم يعد هناك عقل!

لم يضحك، أجاب في مأساوية:

ــ ومن يقبلنا إن بقينا؟

فقلت له:

ــ يجب أن تبقى!

وبقي إلى أن توفّي، معجوناً بمأساة المثقف العربي، فلا هو أنصف الوطن بوجهة نظر يلتف حولها الجميع، ولا الوطن أنصفه في بقية حياته وفي رحيله، فقد هاجمه تقدميون وعلمانيون، وأثنى عليه تقدميون وعلمانيون، بل وأيّده وترحّم عليه غير تقدميين وغير علمانيين، وكأنه كان إشكالياً في حياته وفي مماته، أما أنا، فلا أتفق معه، ولكني أحترمه كمفكر أراد أن يعطي فاجتهد!

كتب الشاعر عبد القادر الحصني: لا أستغرب هذا العدد القليل من المشيّعين في جنازة الكبير الطيّب تيزيني، ففي عام 2008 بدمشق كنّا أقلَّ عدداً في تشييع جنازة الكبير عبد الكريم اليافي!

وكتب عنه راشد الغنوشي (!!):

تلقينا ببالغ الأسى نبأ وفاة المفكر العربي السوري الطيب تيزيني، أحد أعلام سورية، وسبق أن اختير الأستاذ تيزيني_ رحمه الله_ عام 1998 واحداً من أهم مئة فيلسوف عالمي. نعزي أهل الفقيد والشعب السوري والعربي في وفاته، ونسأل الله أن يتقبّله برحمته.

وكتب عنه نبيل صالح، أحد مؤسسي التجمع العلماني الجديد في سورية، إنه أي الدكتور الطيب: ضحايا حرب.. هكذا أسمي مثقفينا الذين وقفوا ضد الدولة وباعونا نكاية بالنظام، وليس أولهم صادق جلال العظم ولن يكون الطيب تيزيني آخرهم، غير أن الأخير كان صديقاً محترماً وصار عدواً محترماً، وآخر مرة التقيته في مؤتمر صحارى للمعارضة بداية الأحداث، قبل أن تأكل الحرب إرثه العلماني الماركسي، بعدما وقف مع الثورة السلفية ضد الدولة السورية.

أما الكاتب الروائي فواز حداد، فودّعه وكتب يقول:

سورية تخسر مفكرا نبيلاً وفيلسوفا قلقاً ورجلاً طيباً

يرحل وفي قلبه سورية جريحة وممزقة

وفي تعليق مقتضب كتب نور الدين ناصر:

خمسون رجلاً فقط في جنازة الطيب تيزيني في حمص… أيتها البلاد الجاحدة!

كان الدكتور الطيب تيزيني صورة المثقف السوري في مأساته وتناقضاته، لكنه كان دائما مفكراً رائعاً حتى لو لم تتفق معه!

العدد 873 - 07/08/2019