شؤونٌ تربويّة

إسكندر نعمة:

الطّفلُ كتلة ٌمن الأحاسيس والمشاعر المتداخلة، فهوَ بذلك يتميّزُ عن الإنسان الكبير والبالغ، بل ويتفوَّقُ عليه في كثيرً من الأحيان. ولمّا كنّا نحن_ الكبارَ والمربّين_ مُطالبين بأن نعملَ على بناء شخصيّتِه بدءاً من مرحلةِ الطّفولةِ الصّغيرةِ حتّى اكتمال الشّباب، فإنّنا نجدُ لزاماً علينا أن نبتعدَ عن التّفوُّهِ بالكلمات والعبارات النّابية والمؤثِّرة تأثيراً هدّاماً في بناء مستقبلِهِ وكينونتهِ وشخصيّته. وإلاّ فإنّنا نكون قد ساهمنا مساهمةً مباشرةً في بناء شخصيّةٍ ضعيفةٍ مُهدَّمةٍ ضائعة، تجزعُ من أيِّ شيء، ولا تملكُ رسمَ طريقِ النّجاح والمستقبل السّعيد، ولا تحاولُ خوضَ أيّةِ تجربةٍ. بل تخشى كلَّ محاولةٍ، لعدم ثقتِها في قدرتِها على النّجاح والتّفوُّق.

على الوالدين أن يزرعا في نفوس أولادِهما قوَّةَ الشّخصيَّةِ والتّفاؤُلَ بحاضرٍ ومستقبلٍ مُفعمينِ بالأملِ والرّجاءِ والسّعادة. وهذا لن يحدثَ إلاّ عندما يشعُرِ الأبناءُ بحبِّ والديهم لهم، وتشجيعِهم ورَفدهِم بالكلامِ الجميل المُنتَقى والمُشجِعِ والدّافِعَ نحو حياةٍ هادئةٍ مطمئنَّةٍ واثقة.

إنّ العباراتِ والكلِماتِ المدروسةِ والطّافحةِ بالرّقّةِ والجمال والقوَّةِ، هي أحدُ العواملِ الرّئيسة في صياغةِ شخصيّةِ الطّفلِ ومستقبلِه. أمّا الكلماتُ المريرةُ السّاخرةُ والفظّة، فمن شأنِها أن تُشعِرَ الطّفلَ بأنّ والديه يكرهانِه أو أنّه يفسِّرُها هكذا على الأقلّ، حتّى وإن كانت تصدُرُ من الوالدين والكبار عن عدم قصْدٍ، أو جهلٍ، أو عدم درايةٍ بالأَسرار والشّؤون التّربويّة والإعداد لمُستقبلٍ جميلٍ ناجح.

هناك الكثيرُ من العباراتِ والكلمات التي يجدرُ بالكبار، وبالوالدين على وجه التّحديد، أن يمتنعوا عن قولَها أو تردادِها على مسامعَ الأطفال، مهما كان الموقفُ أو الحدثُ أو الخطأُ الذي يرتكبُهُ الطّفل. يجبُ الآمتناعُ كلّياً عن تردادِها لأَنّ لها تأثيراً هدّاماً واضحاً على نفس الطّفل وسلوكه وإعدادِهِ المستقبليّ. هذه العباراتُ كثيرةٌ وشائعة، يردِّدُها الأهلُ من دون أن يدركوا مبلغَ سوئها وخطرها، أو قد يطلقونَها أحياناً على سبيل المداعبةِ والتّسلية. إنّها كما سبق كثيرةٌ وشائعة، إلاّ أنّ أخطرَها ينحصرُ في الآتي:

* (أنتَ غبيٌّ)! عبارةٌ يجبُ عدمُ التّفوُّهِ بها وتردادِها على مسامع الطّفل، لأنّ ذلك يجعلُهُ يشعرُ بالنّقص والدّونيّة وصِغَرِ النّفس، كما أنّها تنتقصُ من شأنِه أمام رفاقهِ وإخوتِه. وقد يأتي يومٌ يصدِّقُ فيه الطّفلُ فعلاً أنّه غبيّ، فيتعاملُ مع نفسِه على هذا الأساس، فيتقوقَعُ على ذاتِه، وينسحبُ نفسيّاً إلى الزّوايا المظلمة والصّفوفِ الخلفيّة، مُكبَّلاً بعُقَدٍ نفسيّةٍ شرسةٍ قاتلة.

* (كلماتُ الشّتيمةِ والسّباب) إنّ كلماتِ الشّتيمةِ على مختلِفِ درجاتِها ومُؤَدّاها، يجبُ الامتناعُ عن تردادِها على مسامعِ الطفل، سواءٌ كانتِ الشّتيمةُ موجّهةً لهُ أو لغيرِه من النّاس، وأخُصُّ بالذّكرِ تلك العباراتِ الشّائعةِ في عالَمِ الكبار، والتي تحتوي على مفرداتٍ مُهينةٍ أو كلماتٍ جنسيّةٍ فاضحة. إنّ كلماتِ اللّعنِ والسّبِ تخدُشُ آذانَ الطّفلِ الغضّة، وتجرحُ إحساسَهُ اللّدنَ، وتساهمُ بشكلٍ فعّالٍ في بناءِ شخصيّةٍ طفليّةٍ مهزوزَةٍ مُنْفلِشة. شخصيّةٍ مُتلصّصةٍ، تبحثُ عن المعاني والقيَمِ الدّونيّة في عالَمِ العلاقاتِ الاجتماعيّة. فيغدو الطّفلُ فاقِدَ الإحساسِ، فاقِدَ البراءَةِ الطّفليّة، فاقداً احترامَهُ لنفسِه واحترامَهُ للآخرين.

* (تمنّي الموتَ للطّفل): مهما أخطأَ الطّفلُ، ومهما تمادى في السّلوكِ غير المقبول، ومهما صدرَ عنهُ من قولٍ أو تصرُّف، يجبُ على الأهل والكبار والأُمِّ على وجه التّحديد، ألاّ يصلَ بها التّذمُّرُ إلى حدِّ القول: (ربنا ياخدك ويخلّصني منّك)! أو (كان يوم أسود يوم ولدْتك!). إنّ مثل هذه الكلمات والعبارات الفجّة الفظّة، والتي لا تصدُرُ عن عاطفةٍ إنسانيّةٍ مُتَّزنة، تدقُّ ناقوسَ الخطرِ في حياةِ الطّفل، وتدفعُهُ نحوَ امتلاكِ الحسرةِ المُرَّة على نفسِه، فيكرَهُ وجودَهُ ومَن حولَه. وقد يدعوهُ ذلك من دون أن يشعُرَ لأَن يسيرَ في طريق الانتحار الجسديِّ أو النّفسيّ.

* (أنتَ فاشلٌ ولا تصلُحُ لشيء)! لعلَّ هذه العبارةَ أخطرُ وأسوأُ ما يُواجَهُ بهِ الطّفل، وما يتردَّدُ على مسامعِه. قد تكونُ في بعض الأحيان تنفيساً لضيقِ الأُمّ أو الأهل أو المعلِّم مِن بعضِ تصرُّفاتِ الطّفلِ المُفاجئة والخاطئة. إلاّ أنّ مثلَ هذه العبارة، تُعدُّ بمثابةِ اليدِ الجبّارة الصَّلبة، التي تقودُ الطّفلَ مُرغَماً نحوَ الفشلِ الحقيقيّ والخيبَة المُرَّة، فتجعلُهُ ضعيفاً مُتردِّداً، خائراً مُتلاشياً، فاقداً الثّقةَ بنفسِه وبعقلِه وإرادَتِه أو بقدرتِهِ على عملِ أيِّ شيءٍ أو اتّخاذ أيّ موقفٍ، سواءٌ في البيت أو المدرسةِ أو في تعامُلِه مع رفاقِهِ والآخرين من النّاس.

* تكرارُ كلمةِ (لا) كثيراً. ما أكثرَ أولئكَ الذين يبالغون جدّاً في استعمال هذه الكلمةَ الصّغيرة: (لا) وتردادِها. إنّ هذه الكلمةَ قنبلةٌ موقوتةٌ يجبُ استعمالَها بحذرٍ ورويّة. كما يجبُ انتقاءِ الفرصِ اللاّزمةِ لها. الُأُمُّ والأبُ مسؤولان مسؤوليّةً كاملةً إزاءَ خطرِ هذه القُنبلة. وعليهما عدمُ الإكثارِ من استعمالِ عباراتٍ تبتدئُ بـ(لا): (لا تفعل هذا!)، (لا تقُل هذا)، (إيّاكَ أن تفعلَ كذا!). يجبُ الاستعاضة عن هذه العبارات التي قد تبدو في ظاهرِها ليّنةً هيّنة، بعباراتٍ أُخرى أكثرَ حبّاً ومودّة مثل: (أعتقدُ أنّ تلك الطّريقةَ أفضلُ، وذلك القولَ أنسبُ، وذاك التّصرُّفَ أجملُ) مع التّشجيعِ والدَّفعِ الإيجابيّ: (أعتقدُ أنّكَ تستطيعُ أن تفعلَ كذا، وأنت قادرٌ على فعل كذا). إنّ استخدامَ مثلَ هذه العبارات والتّخلّي عن الـ(لا)، يدفعُ الطّفلَ في طريقِ الصّواب، ويشجِّعُه على العمل وإعادةِ التّجربة والمحاولةِ الجادّة، والخروج من دوائر الفشلِ والإخفاق، حتّى وإن لم يحالفْهُ النّجاحُ من التّجربةِ الأولى.

يبقى علينا أن نشيرَ إلى أنّ إصرارَ الأهلِ على استخدامِ مثلِ هذه العباراتِ الّتي سبقَتِ الإشارةُ إليها، سواءٌ كانوا يدرون أو لا يدرون، كان السّبَبَ المباشرَ والرّئيسَ، في إعدادِ جيلٍ طفليٍّ، أقلُّ ما يُقالُ فيه إنّه ضعيفُ الإرادَةِ، مهزوزُ الشّخصيّةِ إلى أبعدِ الحدود.

العدد 919 - 15/07/2020