أشرف الناس

أحمد بوبس:

يا أشرف الناس! يا من تحمل المكنسة بيدك والوطن بقلبك، تنظف ما وسخه الناس، تزيل عن وجه الأرض تلك البشاعات التي خلفها أصحاب الأموال. فأيهم أفضل؟ من يوسخ أم من ينظف؟ من يطهر أم من يدنس؟ أنت تنظف بقايا بطر الناس وترفهم، تنظف سوء أخلاقهم. الذي يرمي فضلاته من شباك سيارته الفارهة، أو من شرفة بيته، إنما يرمي معها أخلاقه التي تملأ الدنيا إنتاناً.

تُمضي سحابة نهارك والشمس تلوح بشرتك السمراء كسمرة الأرض، لكن قلبك أنقى وأنصع من ثلج السماء. كفّاك أشرف كفّين عرفتهما الحياة. وهل هناك أفضل من يد تنظف؟ فياليت كفيك تنظف أخلاقنا وضمائرنا من شوائبها! بدلتك الزرقاء..كم جعلتني أحب اللون الأزرق، أعشقه، فهو رمز النقاء والطهارة.

عندما أقف مع عامل التنظيفات في حارتنا، أحس أنني أمام رجل عظيم، ارتضى بالقليل وهو يلم فضلات من كثر ماله وكثرت أوساخه. أصافحه فأصيح في داخلي: ما أنعم يده! أكلّمه فإذا بالنقاء ينضح من فيه، كما ينضح الماء الزلال من النبع العذب. أنظر إلى شعره الأشعث المغبر، فأصرخ: ما أبهاه من شعر لم تلوثه صالونات الحلاقة الفارهة!

علَّمنا كيف ننظف قلوبنا من أضغانها، وأخلاقنا من أدرانها! علمنا كيف ننظف ضمائرنا مما أصابها من لوثات الحياة! علمنا يا أيها المعلم أن لقمة نظيفة مجبولة بعرق الجباه أطيب ألف مرة من مآدب مسروقة من جهد الفقراء، مطهوة بدمائهم، مآدب تتخم بطون الأثرياء من جوع الفقراء!

 

 

العدد 919 - 15/07/2020