فضاءات ضيقة | مشتقات النازية والفاشية

د. عاطف البطرس:

ما فائدة استعادة قراءة التاريخ إن لم نصل منها إلى استنتاجات تساعدنا على فهم الحاضر ووضع أسس بناء المستقبل.

قراءة الماضي بعبره ودروسه تحتاج إلى منهجية يمليها ما تم إنجازه علمياً ومعرفياً على الصعيد العالمي في العلوم كافة وبخاصة الإنسانية منها، إذ لا يمكن أن نصل إلى نتائج صائبة إذا لم نضع أحداث الماضي في إطارها التاريخي المحدد والإحاطة بكل الجوانب التي شكلت ذلك الماضي وأنتجت الحاضر الذي نعيش فيه. فالماضي يعيش في الحاضر، بل يكاد يكون طاغياً عليه في بعض الحالات رغم مظاهر الاختلاف التي قد تبدو جوهرية في كثير من الأحيان.

هزيمة النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية بتعاون دولي كان للاتحاد السوفييتي الدور الأبرز في تحقيقه، إذ قدمت البشرية أكثر من خمسين مليون شهيد، نصفهم من الشعوب السوفيتية عدا عن الجرحى والمعاقين والمصابين بأمراض نفسية من هول ما شاهده في حرب مدمرة قضت على البنية التحتية والمنجزات الإنسانية لكثير من الدول أكثرها تضرراً الاتحاد السوفييتي بوصفه البديل النظري والعملي آنذاك للنظام الرأسمالي العالمي.

دروس وعبر كثيرة يمكن استخلاصها، ولكن السؤال الأبرز والأهم الآن: هل تم القضاء الفعلي على النازية والفاشية، بحيث لم تعد هذه الظاهرة قادرة على التوالد والتكاثر بعد الضربة القاصمة التي تلقتها بهزيمة ألمانيا النازية وإعلانها الاستسلام بعد دخول القوات السوفيتية إلى برلين في الثامن من أيار واعتبار التاسع منه عيداً للنصر على الفاشية والنازية؟

نظرة متأملة إلى عالم اليوم ومكوناته تسبر الأعماق ولا تكتفي بالسطوح تقول: إن إمكانيات ولادات جديدة للنازية والفاشية ماتزال قائمة ومحتملة، ويدل عليه ما نشهده اليوم وبشكل جلي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتغوّل الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولاتها فرض سيطرتها على العالم بلا منازع، بكل ما تملكه من قدرات عسكرية واقتصادية وبالتالي سياسية تقوم على النهب والاحتكار مما خولها فرض شروطها وإملاء رغباتها على العالم بما فيه حلفاؤها (أوربا العجوز).

في تسعينيات القرن الماضي هيمنت الولايات المتحدة على العالم بلا منازع وجثمت على صدور حكوماته وشعوبه، فكانت سياستها الإملائية الاستعلائية فاشية وليدة لابد من مواجهتها والتصدي لها.

استدعت هذه المواجهة إعادة النظر في التحالفات الدولية، ولكن ضمن منظومة النظام الاقتصادي الاجتماعي الواحد (النظام الرأسمالي)، وبدأ صراع خفي يأخذ بالتشكل بين مكوناته مع بدايات القرن الحادي والعشرين ممثلاً بتحالف الصين وروسيا ودول البريكس الذي سعت الولايات المتحدة إلى تفكيكه، نجحت هنا وأخفقت هناك، وما الحرب الظالمة التي شهدتها سورية إلا واحدة من تجليات هذه المواجهة على طريق إزاحة الهيمنة الأمريكية تحت شعارات العولمة الهادفة إلى تنميط العالم بأمركته سياسياً واقتصادياً وثقافياً.

الفاشية الجديدة ومشتقاتها استخدمت القوى الظلامية إحدى أبرز أدواتها في محاولة جديدة للسيطرة وبسط السيادة الأمريكية وقمع حركات الاحتجاج على وحشيتها وإملاءاتها، إضافة إلى قتل الديمقراطية الوليدة وتحطيم الدول وتفتيت الأوطان.

إن ما جرى في بلدنا سورية وما يجري في فنزويلا اليوم، وسابقاً في العراق وليبيا وما يدور على الساحتين الجزائرية والسودانية على اختلاف في الأهداف وطبيعة القوى المتجابهة والنتائج المترتبة على ذلك، يدل بشكل واضح على محاولات تهديم الدول وإفراغها، وبالتالي بسط الهيمنة وإملاء الشروط المجحفة المعادية لشعوبها والملبية لسياسات الاحتواء والتسلط.

مازال العالم يفرز قوى فاشية ونازية على الصعيد العالمي وداخل كل دولة على حدة، مهمة هذه القوى منع تشكل عالم متعدد الأقطاب والإبقاء على القطب الواحد المهيمن اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وفكرياً، والمعركة مستمرة ما دام هناك شعوب تطالب بعدالة توزيع خيرات العالم على أبنائه، وبحق الشعوب في الحرية والسيادة والاستقلال في أوطانها وفق خياراتها الحرة.

لم يعد مقبولاً أن يمتلك خيرات العالم 20 بالمئة من سكانه، بينما يعيش 80 بالمئة منهم تحت خط الفقر يعانون الجوع والحرمان وحتى انعدام مياه الشرب.

مواجهة وحشية النظام الرأسمالي العالمي الذي يحاول تأبيد نفسه هي قضية وطنية وواجب إنساني يقع على عاتق كل الشعوب ودول العالم المتطلعة إلى حياة أفضل يسودها السلم ويعم فيها الرخاء وتنتشر بين سكانه روح المحبة والوئام.

العدد 878 - 18/09/2019