من القلب إلى القلب | أيام سيارة الطوزتو.. وأيامنا مع البنزين!

عمـاد نـداف:

 لم نصدق أننا نعيش تلك اللحظة..

نعم، كان ذلك في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وكانت منطقة مساكن برزة ضاحية من ضواحي دمشق، وقد انتقلنا إليها حديثاً، بعد تهديم حارتنا في الجسر الأبيض لخضوع المنطقة لتنظيم عمراني جديد.

كانت مساكن برزة  مثل ضيعة ضايعة، فوسائل النقل فيها شبه معدومة، وآخر خط المواصلات كان في موقف ابن النفيس، وعلى السكان قطع المسافة سيراً على الأقدام أو الانتظار نحو نصف ساعة، وبالتالي فإن اقتناء سيارة في بيتنا جعل الجميع يعتقدون أن كل واحد سيصل فيها إلى مبتغاه بسرعة وأمان .

   خرجنا من البيت مثل قوم يأجوج ومأجوج لنراها، فقد اشترى عمي سيارة طوزتو بمبلغ وقدره أحد عشر ألف ليرة سورية، وصار الجميع يصفرون كما يصفر الواتس أب هذه الأيام، فهل يمكن أن يصل ثمن السيارة العتيقة إلى هذا المبلغ.. هذه كارثة! وردد عمي : يا لطيف على هذه الأيام! 

وركبنا في السيارة. كنا تسعة أطفال ونساء في المقعد الثاني، وأربعة في المقعد الأول، وانطلقت بنا السيارة بقيادة عمي أبو بلال_ رحمه الله_ في جولة داخل مساكن برزة، وما إن تحركت السيارة حتى اندفعنا نحن الأطفال والفتيان إلى نافذتيها الخلفيتين نلوح بأيدينا لأطفال الحارة وكأننا نقهرهم بسيارة الطوزتو!

في آخر مساكن برزة انعطف عمي نحو مفرق القابون وساد الفرح بيننا ، فهذا يعني أن الرحلة ستتسع أكثر، ووصلنا إلى ساحة العباسيين، وهناك دخل عمي بسيارته إلى محطة الوقود وطلب تعبئة الخزان بخمس ليرات سورية، وقال:

 الله يعين أصحاب السيارات.. تحتاج سيارة الطوزتو إلى نهر بنزين!

مضى زمن طويل على تلك اللحظة التاريخية من حياتنا، ولم يعد امتلاك السيارة بحادث استثنائي في حياتنا، على العكس تماماً، فقبل الحرب اشترى زميلنا في العمل وهو يعمل بلجنة الشراء، سيارة (كيا) من الوكالة ، وعندما شاهدني أنتظر الميكرو عند نفق الأمويين، لوّح لي بيده  دون أن يدعوني إلى الركوب معه، رغم أن طريقي على طريقه!

شاهدته قبل أيام، حزنت عليه، كان يقف في الطابور الطويل للسيارات الذي يمتد نحو كيلو متر بانتظار دور البنزين. تذكّرت سيارة الطوزتو، وقلت لزميلي الذي كان قد انتظم في الطابور مغبرّ الوجه:

 الله يعين أصحاب السيارات!

ضحك وقال ساخراً:

 تحتاج السيارة إلى يوم كامل لملء 20 ليتر بنزين بأربعة آلاف ليرة!

وأضاف كأنه يجد حلاً:

 إذا كانت المشكلة في السعر، فليضاعفوه وتنتهي المشكلة!

قلت بسرعة خاطر:

 قد يكون السعر الجديد بأحد عشر ألف ليرة سورية! فقال:

 ليكن. المهم نخلص!

ضحكت، وقلت ساخراً:

 ذلك يعني ثمن سيارة طوزتو..

فردّ علي مستفسراً:

 لم أفهم عليك!؟  

العدد 882 - 16/10/2019