من القلب إلى القلب | الخوف من الصحافة! “نحن ليس لدينا صحافة تخيف”

عمـاد نـداف:

في كل مرة أحاولُ فيها الشروعَ في الكتابة، يذهب عقلي إلى سؤال مهم يتعلق بمن ستصل إليه هذه الكتابة. وعندما يواجهني هذا السؤال أخاف، وأتردد، لأنه ينبغي عليّ أن أحترمَ واُجِلَّ من يقرأ كتابتي، فأقدم له الجميل والممتع وذا الرؤيا وما يساعد على التغيير نحو الأفضل!

وفي آخر مرة حاولت فيها الكتابة، وجدتني مهموماً نزقاً أكاد أغلي كإبريق ماء على منبع حراري يتوهج بقوة. أحسّتْ إحدى الزميلات بحالتي، وعرفت أنني سأكتب لصحيفة محلية، وأني مشغول بهاجس الكتابة. فسألتني: لماذا تُعذّب حالك؟ ومن يهتم بهذه الصحف؟! ولماذا لا يغلقونها أصلاً؟!

وسريعاً وجدت نفسي أتشاطرُ عليها وأستعيدُ من ذاكرتي ما قاله لينين ذات يوم من أن (الحزب الثوري يحتاج إلى دستة شيوعيين وصحيفة)، وربما كان لينين يراهن في صناعة ثورته على شيء أساسي هو البرنامج أو المضمون السياسي الذي سيقوم هذه الجهاز البسيط بترويجه!

هذا يكشف لماذا يخاف العالم من الصحافة، ويوضح ببساطة لماذا تلجأ رؤوس الأموال الضخمة إلى تسخير توظيفات مالية لصحف تنطق باسمها أو لصحف تريدها أن لا تحكي أو لصحف تروج لها ما تريد، وفي النهاية يكون الرأي العام هو المستهدف بالتضليل أو التشويه أو التعمية عليه بحقيقة الأمور.

فهل نخاف نحن من صحافتنا؟!

لابد من الإجابة عن هذا السؤال، فعندما تتحول الصحافة إلى سلطة رابعة مخيفة، ولا أقصد بالخوف هنا ما يثير الضرر الاجتماعي، عند ذلك ينبغي علينا أن نراقب ثلاثة أشياء دفعة واحدة:

أول تلك الأشياء: القارئ، فعندما يجد القارئ صورةَ همومِه وطموحاتِه وضميرهِ في صحيفة ما، تصبح تلك الصحيفة له، يبحث عنها ويقرؤها ويدققُ في عناوينها وتفاصيلها ويتبنى مواقفَها.

وعندما ينأى القرّاءُ عنها، فهي بذلك تخسر أهم طرف في هذه المعادلة، وهو طرف يحدد المعطيات التي ينبغي أن تقف عندها الصحيفة في أدائها، والتي يمكن البحث من خلالها عن آليات النجاح!

وثاني تلك الأشياء: السلطات، وأقصد هنا الجهات التي ينبغي أن تخضع لرقابة الصحافة، كالمؤسسات التجارية والشركات التي تسوق الأغذية وبقية الجهات الخدمية التي تقيمها الحكومات لاستكمال بناء الدول، فالفضائح وكشف بؤر الفساد وإثارة الحوار الثقافي والسياسي والاقتصادي تقوم به الصحف عادة، وإذا ما قامت به بمصداقية السلطة الرابعة الحقيقية فهي تخيف  وتجعل السيئين يترددون في ممارسة الخطأ!

وثالث تلك الأشياء هو الصحفي نفسه، وهو بلغة هذه الأيام (الإعلامي)، وهو المواطن المهني المنتمي إلى هموم الناس وقضاياهم وهموم الوطن وقضاياه ولا يتردد في الدفاع عن هذه القضايا مهما بلغ الثمن، حتى لو واجهته إغراءات المال والشهرة، وحتى الإلغاء.

بعد هذه المعطيات، أليس من حقنا أن نسأل:

لماذا نفقد القارئ اليومي الذي يتابع ويقرأ ويتبنى؟!

لماذا نفتقد الصحفي الكبير الذي يكتب ولا يخاف، وينتقد بموضوعية، وصفحته في الانتماء إلى الوطن ناصعة بيضاء؟!

لماذا ينتشر الفساد، فيغدو الفاسد_ أينما كان موقعه_ أقوى من الصحافة والمواطن والقانون والمؤسسات؟

القصة وما فيها أن لا أحد لدينا يخاف اليوم من الصحافة، ولا أعرف لو كان لينين حيّاً فهل كان سيعدّل في عبارته تلك أم لا!

العدد 873 - 07/08/2019