من القلب إلى القلب | حكاية البغل الذي صار حصاناً!

عماد نداف: 

أبو ربيع، شخصية غريبة عجيبة لفلاح من حياة الريف القديم، أهم ما فيها أنها تهتم بالأرض حتى آخر رمق وتشتغل فيها لدرجة الوسواس. ومما يحكى عن أبي ربيع أنه اختلف مع جاره في الأرض على حدودها منذ أيام حسني الزعيم أي في عام 1949، وكانت المساحة المُختلف عليها بحدود نصف متر بطول الأرض، فلجأ أبو ربيع إلى القضاء، واستمرت المحاكمة سنوات طويلة يتابعها بإصرار إلى أن حكم القاضي بإعادة الأرض له أثناء حكم الانفصال عام 1962!

لم يكن أبو ربيع يقبل ببيع أي قطعة من أراضيه التي يشتغل فيها، ولو متراً واحداً، وكانت الكروم تعرف يديه لكثرة ما اشتغل فيها، وكانت حقول القمح والبيادر تشمّ رائحة عرقه من بعيد لأنه أمضى فيها قرابة ستين سنة يزرع ويحصد ويدرس ويطحن ويقطف دون كلل أو ملل!

اقتنى أبو ربيع بغلاً أسود اللون، اشتراه بالمصادفة من إحدى القرى القريبة، أحسّ أن قوة البغل لا تزال فيه، وعندما مسح على رقبته بيدٍ حانية، أجابه البغل بحركة واضحة من رأسه وعينيه وكأنه يشكره، فأحبَّ البغل واشتراه دون تردّد!

كان البغل يؤدي دوره بنشاط في الحياة اليومية التي يعيشها هذا الفلاح، فينهض باكرا مع صاحبه، ويتجه إلى الحقول والكروم والبيادر والنهر، وينقل الأمتعة والمنتجات الزراعية والماء بصبر وهمّة وكأنه جزء لا يتجزأ من العملية الأزلية التي تربط الإنسان بالزراعة والحصاد والحياة!

وما إن مضت سنة على شراء هذا البغل حتى أصبحت حركته مرهونة بإشارة من صاحبه. أحبه أبو ربيع وكان يخلط له التبن بشيء من القمح والشعير، وأحياناً يضع في فمه سكرة، ثم يمسح على عنقه ويضغط على جبينه بأصابع طرية.

وفجأة سمع الناس أن أبا ربيع أطلق على بغله لقباً جديداً هو: الأدهم!

والأدهم، كما هو معروف صفة من صفات الحصان، ويقال: (جَوَادٌ أَدْهَمُ، أي أَسْوَدُ”، وفي قصيدة جميلة من قصائد الفروسية لعنترة بن شداد نقرأ:

يَدْعُـونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنَّهـا أشْطَـانُ بِئْـرٍ في لَبانِ الأَدْهَـمِ

وشاع الخبر في القرية، فقد أصبح البغلُ حصاناً عند أبي ربيع، وأصبح الحصان أدهم، وصار مثلاً للتندر بعلاقة الفلاح مع أدوات إنتاجه ووسائلها. إلى أن مرض الأدهم، فترك أبو ربيع كل شيء وتفرغ للعناية به. كان يتفقده ويعتني به حتى عادت إليه صحته وشفيّ تماماً.

مرة، كان مجلس أبي ربيع عامراً بالضيوف، وكان أحد أبنائه كسولاً بليداً بعكس أبيه، وكان لا يحب طريقة أبيه في الحياة، ويشعر أن الحياة لهو ومرح وسعادة، وهذا ما جعل أبيه في حالة غضب دائم منه.

في ذلك المجلس صاح أبو ربيع بابنه يدعوه إلى تقديم التبن للبغل، قائلاً:

ــ يابغل، قم وعشّي الأدهم قبل أن تنام!

احتجّ الضيوف عليه، واستفسروا عن سبب هذه المفارقة المهينة، فرد الفلاح:

ــ الأدهم ينتج ويعمل بصبر ونشاط، وهذا لا فائدة منه يأكل ويشرب وينام، حتى أنه لم يفلح بالدراسة. لا يعرف إلا إضاعة الوقت وهدر المال وقلة الحياء!

تذكرتُ الحكاية، عندما علمت أن أبا ربيع مات، وأن ابنه سيطر على كل الأراضي التي أورثها أبوه لإخوته، فباعها وصرف ثمنها، وصار سائقاً على خط القرية، ولم يبق له من تلك الأيام إلا الحكاية.

سألتُ عن تفاصيل كثيرة، وكان لدي سؤال أخفيه:

ــ ما الذي جرى للأدهم؟ هل عاد بغلاً؟!

العدد 882 - 16/10/2019