فضاءات ضيقة | دور الأدب والفنون في تعزيز العلاقات بين الشعوب

د. عاطف البطرس:

العلاقات الثقافية بين روسيا وسورية قديمة وعريقة، فمنذ أيام القياصرة والمبادلات الثقافية قائمة بينهما، وما زالت تتطور باطّراد، سواء عن طريق الرحلات والتجارة في القديم أو الترجمة.

فمن منا لم يتدفّأ بمعطف غوغول ويسخر من أرواحه الميتة، ولم ينشد أغاني الحرية مع بوشكين، ولم يعش أزمة راسكولينكوف وسونيا، بطلَيْ الجريمة والعقاب، وعذابات إيفان في الإخوة كارامازوف لديستويوفسكي؟!

من لم يعش توترات وأحداث الحرب والسلام لتولستوي، ويتمثل معاناة آنا كارنينا، ولم يعاين جريان الدون الهادئ لشولخوف، ولم يتوهج مع قصة الحب الخالدة التي قال عنها آراغون: (جميلة) أجمل قصة حب في العالم، والمعلم الأول والسفينة البيضاء ووداعاً يا غوليساري لآيتماتوف.

من الصعب أن نجد أديباً عربياً لم يتشبع من الأدب الروسي الكلاسيكي شعراً ونثراً ومسرحاً، فكيف لنا أن ننسى ستانسلافسكي، وميرخولد، وتجاربهم وإنجازاتهم في العمل المسرحي، ألم نرقص على ألحان تشايكوفسكي في كسارة البندق وبحيرة البجع، ونسمو مع خاشادرويان في سبارتاكوس.

الثقافة الروسية وآدابها مشبعان بروح إنسانية تمجّد الحرية وحق الشعوب في حياة آمنة مستقرة تقوم على أساس المساواة بين الأمم والشعوب وفق القانون الدولي.. وهي مثال للتبادل الثقافي السامي بين الأمم والشعوب.

إذا كنا قد غرفنا من بحر الأدب الروسي ذخيرة وكنوزاً لا تعدّ ولا تحصى، وأخذنا من النقد الأدبي بيلنسكي وتشيرنوشيفسكي، ومن آثار المفكرين والفلاسفة الروس لومانوسوف، وبافلوف، وبليخانوف ولينين وغيرهم من رواد العلم والمعرفة، يحق لنا أن نتساءل: هل انتقل أدبنا العربي إلى الثقافة الروسية؟

بوشكين محطة هامة في تاريخ الأدب الروسي، فهو مؤسس الأدب الروسي الحديث، كان على اطلاع عميق على منجزات الثقافة العربية مجسدة في أهم أثر مكتوب انتقل إلى كل شعوب العالم، وهو القرآن الكريم، ومن يطلع على آثار بوشكين يلمس تأثره الواضح بأفكار ولغة القرآن، وكذلك تولستوي العظيم وبونين، وبولغاكوف، وغيرهم وغيرهم.

في الآداب الروسية أكثر من كتاب مترجم عن الأدب العربي، ولعل من أهمها ما ترجم من الشعر الجاهلي، وهو مأثرة كبرى قام بها المثقفون الروسي، وكذلك أبحاثهم الهامة في تاريخ الأدب العربي، قديمة وحديثه.

فقد ترجمت أهم أعمال نجيب محفوظ، إلى اللغة الروسية، وكذلك أشعار محمود درويش، وروايات مينة، ومن الصعب تعداد الترجمات العربية إلى الروسية ومن الروسية إلى العربية، ومن منا ينسى الدور التاريخي للمستشرق كراتشوفسكي وما قدمه للثقافة العربية بنقلها إلى اللغة الروسية!

العلاقة بين روسيا وسورية لم تقتصر على الجوانب الثقافية، وإنما تجاوزتها إلى الجانب العلمي والتعاون الفني التقني، ففي سورية آلاف الخريجين من المعاهد والجامعات الروسية، كما أن في روسيا أعداداً كبيرة من أبناء سورية يشاركون أصدقاءهم الروس حياتهم اليومية.

كيف يمكن لنا أن نتجاهل الصداقة النزيهة والتعاون المخلص بين سورية وروسيا، في مواجهة الحرب العدوانية الظالمة التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها من صهاينة وتكفيريين ومجرمين قتلة على بلدنا؟!

لقد اختلطت دماء شهدائنا في ساحات الدفاع عن سورية، موحدة حرة مستقلة الإرادة متمتعة بكامل حقوقها.

ولم تقتصر العلاقات بين البلدين على الجوانب العسكرية، فمازلنا نتذكر الخبرات التي قدمتها لنا روسيا ومساهمتها في إعداد كوادرنا العلمية التي شيّدت سد الفرات العظيم الذي يقف طوداً شامخاً وشاهداً على عمق الصداقة بين البلدين.

إذا كانت الإمبراطورة يكاترينا الثانية قد قالت: دمشق بوابة روسيا، فإن النهج الروسي الحالي يجعل ذلك الشعار حقيقة واقعية نلمس آثارها مجسدة على أراضي سورية، في أنبل موقف دولي حفاظاً على الدولة السورية بكل مكوناتها.

تاريخ العلاقات بين سورية وروسيا بكل مراحل تطورها، بغض النظر عن تغيرات الأنظمة الاجتماعية فيها، لم يعرف مواجهة بين البلدين منذ الفيتو الروسي الأول عام 1946 حتى آخر فيتو في مصلحة بلادنا.

العلاقة بين الشعبين السوري والروسي تقوم أيضاً على المصاهرة، ففي سورية أعداد كبيرة من النساء الروسيات يعشن كمواطنات سوريات، وقد تشبّعن بعادات شعبنا وتقاليده، دون أن يتخلين عن تقاليدهن الروسية.

عاشت الصداقة النزيهة والنبيلة بين سورية وروسيا!

ولتتوطد أواصر العلاقات بينهما على الصعد كافة، لما فيه خير شعبيهما وخير البشرية جمعاء!

العدد 887 - 20/11/2019