“حميد بن عمرة”.. تحدٍّ فكريّ وشكليّ في نسيج سينمائي مجهري

نوار عكاشه:

معقدة ومثيرة تلك القدرة الهائلة للكاميرا على خلق العوالم الموازية، تتصافى وتتلاقى موادها المصورة لتترافع في السينما أفلاماً تحقق تلك المتعة العجائبية بكل ما تحتويه من مفارقات وجدانية وفنية، ومهما تنوعت تعاريف وتواصيف فن السينما وكثرت محاولات تقييده وتكبيله بالأنواع والمناهج والأساليب؛ يبقى صانعوه المخلصون متفقين على أن ميزته في احتوائه لكل الفنون وتجدده الدائم.

وهو ما كان مع (حميد بن عمرة) (مواليد 1964) السينمائي الجزائري المتيم بالسينما الحرة، عشقها من عمر 5 سنوات، درس الفلسفة، ثم أتبعها بِدراسة (التاريخ والسينما) في فرنسا، وقضى أكثر من 30 عاماً في صناعتها، وحين نتحدث عن صناعة السينما لهذا السينمائي فالأمر استثنائي، نحن لسنا أمام أفلام عادية مشغولة وفق تراتبية إخراجية وإنتاجية واضحة، إنما أمام سينما مستقلة في أقصى حدودها، تمرد تام على كل الأنماط، وتكسير لكل المتعارف عليه من القواعد السينمائية النمطية، انزياح سينمائي حاد تجاه السينما الصرفة التي تعري الإنسان بقوة العناصر الكونية.

قدم بن عمرة في الأعوام الماضية 3 أفلام لافتة في محتواها وصنعتها، وعلى الرغم من توازيها وتقاربها؛ لا يُعد من الإنصاف تسميتها بالسلسلة، كما لا يليق بصانعها وصف تيمتها العامة المراوحة بين الروائية والوثائقية؛ بالبصمة الخاصة به، إنما يمكن القول إنّه اشتغل كَمسبار سينمائي حين أجاد وتجدد في الفن السينمائي بما قدمه من تحليل ومعالجة وإعادة بلورة وتكوين لمنطق الأشياء والأفعال، وترجم بأفلامه مصطلح (الفن السابع) كَفن جمعي للفنون وعلاقتها التفاعلية مع الكائنات لينعكس هذا الجمع التفاعلي في عولمة وجودنا، ونرى أنفسنا جزءاً أساسياً من هذا العالم حين نوسع نطاق رؤيتنا، ونتحرر من هواجسنا التي وضعتنا في مواجهته.

يعمل بن عمرة بإنتاج شخصي (شركته nunfilm) وفق منهجية خاصة بِه، لديه هوس دائم بالتصوير في يوميات حياته العادية؛ يرصد ويراقب ويصور، ويرى أن كل ما في الحياة يستحق التصوير، لذا تحاول كاميراه ألا توفر شيئاً.

في رصيده ألاف المقاطع التسجيلية المصورة، الكثير منها يحوي ظهوراً لِشخصيات ثقافية عربية وعالمية يضمنها في أفلامه، يعتبر أن تلك المواد هي التي تخلق الفكرة وتحدد حبكة الفيلم السينمائي، فيعمل على تركيبها وفق رؤيته لصناعة فيلمه بانتقاء المناسب منها لموضوعه وبمراعاة تراتبية منطقية للسرد.

لكن الميزة الأهم ولعلها سر الإبهار في أفلامه، هي تلك الكثافة الفنية الحاصلة. ذلك السينمائي يبدو واضحاً تعشّقه لكل الفنون وانصهاره العاطفي بها، الموسيقا والأغنية حاضرة بأرقى أنواعها، والفنون التشكيلية من رسم ونحت وغيرها ملازمة لصورته السينمائية، وكذلك المسرح والرقص بأصدق التعابير.

صاحب العين الثاقبة يلتقط مشاهده بجنون، يلاحق الضوء واللون بشغف العاشق، لا يوفر زاوية ولا نوعاً في لقطات كاميراه، يلعب في حركتها بمتعة واضحة محدداً أهدافه وفق حالة كل مشهد. تنوع غني في تقنيات التصوير وفنونه تجده في أفلامه، وتتبلور جمالية الالتقاط في التركيب، إنها المرحلة الحساسة وعندها نكتشف مدى دقة ذلك السينمائي ورهافة حسّه. يتميز المونتاج لديه بالقطع المدروس والمختزل، مما يبقيك مشدوداً ومترقباً مسار الفيلم، يكتسب القطع جمالية لافتة، ذلك وفق مونتاج إيقاعي يقتنص تفاعلك رغماً عنك.

يقدم بن عمرة في أفلامه الثلاثة مواربة سينمائية في العمق، تبتعد عن الطرح التعريفي في تناولها 3 شخصيات فنية، لتتعمق في وجدان تلك الشخصيات وتستكشف عوالمها الداخلية، أفكارها وهواجسها وأحلامها ودوافعها، ذلك بربط محكم بحالة عمومية للإنسان وموقعه من هذا العالم، بين الذاتي والعام؛ يتناول مفاهيم الوطن والفن والغربة والدين والمقاومة والسياسة.. دون أن يدعي تفسيره لتلك المفاهيم، تلتقط كاميراه ما هو مألوف وموجود بتلقائية وعفوية، ليقدم في المحصلة تحدياً فكرياً وشكلياً في نسيج سينمائي مجهري، مداعباً ومحرضاً ذهنية المتلقي بإفساح المجال لمخيلته استنباط ما يروق لها.

في فيلمه (شيء من الحياة .. شيء من الحلم ،2102 75 د) يتناول الفنان التشكيلي الجزائري (مصطفى بو طاجين) المعروف برسم بورتريهات لوجوه ثورية، يتغلغل في باطنة هذا الفنان المبتسم دوماً لنجده متأرجحاً بين الحياة والحلم، فنان ثوري يأمل بحدوث تغيير، يرسمه بن عمرة سينمائياً بورتريه لحياة المقاومين في أصقاع الأرض، في الفيلم كولاج ثوري يتخذ من فن الرسم عاطفته، ومن التنوع الإنساني قاسمه المشترك في توقه للحرية، هنا حضور أبطال الجزائر في شتى المجالات؛ جزء من كل البطولات في العالم، الكاميرا في يد بن عمرة تسجل ذلك، تحقق بطولتها كَسلاح للسينمائي توازي حكمة البندقية، يقولها السينمائي الفلسطيني (رشيد مشهراوي) لمواطنه الشاعر (محمود درويش) في نهاية الشريط متحدثاً عن بن عمرة: (هذا الشاب لديه التقاط الصورة كالسلاح؛ يمشي وهو يحملها وكأنه هو والكاميرا قطعة واحدة).

وفي فيلمه (حزام،2016 87 د) يحاول بن عمرة الإحاطة بعالم بطلة الكاراتيه السابقة ومدربة الرقص الجزائرية (آسيا بن قمرة)، تبدو تلك المرأة المتمردة بكامل الفهم والإدراك لقيمة الفن وأثره على الذات والمحيط، فكان منها أن قررت الولوج إلى أرحب فضاءاته، تروي في الفيلم أفكارها ومعتقداتها وهمومها، وترقص بانسيابية روحية طاغية على حركات جسدها، تستمع إلى الموسيقا وتتماهى معها لتعبر بأدواتها الجسمانية عن واقع وطن تحت الحزام.

يُركِب بن عمرة فيلمه بِحذر وافتتان مبتعداً تماماً عن الجندرية، فَعلى الرغم من موضوعه ومحتواه لا يمكن اعتبار (حزام) فيلماً نسوياً، بل تميزاً فنياً بِجدارة ما قدمه من تصالح الأرواح مع النفوس والقوالب.  ينبهنا بن عمرة منذ تتر البداية إلى جدلية فيلمه، تحول العنوان من (حرام) إلى (حزام) بِفارق نقطة واحدة، تلك النقطة الساكنة في أعماق ضمائرنا ترسم الفاصل بين الحياة والموت، وتلك هي إدانة الفيلم المبطنة للتطرف والتعصب كما للقيود والعوائق المجتمعية، الحزام هنا يلف خصر الإنسان الفنان في صورة جمالية، يشد عليه كي يبقيه محافظاً على سرّه ومسرته، مستنكراً تلك الأحزمة التي تقتل الأفكار والأجساد.

يشارك السينمائي السوري (محمد ملص) في الفيلم، يظهر في عدة مشاهد تحت سطوة الكاميرا في عمق الكادر، فَفي العمق مسكن الأفكار، يتحدث عن الغربة والسينما والحرية، يحاول كشف علاقته بالمرأة ويربط عشقه للسينما بالأم، السينما المسلوبة الحرية في وطنه توجعه في الصميم كما يوجعه فقدان أمه، يقف أمام المرآة مستنطقاً كينونته، ويبدو متسائلاً في سريرته عن جدوى وديمومة عبق أحلامه في مواجهتها وحل وهراء الصالونات المغلقة.

أما في فيلمه (هواجس الممثل المنفرد بنفسه 2016 -90 د) يعود بن عمرة لملاقاة الممثل الجزائري (محمد أدار) بعد عقود من إعجابه بهِ، ليقدم حياته في إطار السينما، متناولاً جوانب من شخصية هذا الممثل وما يتملكه من هواجس، يقول أدار في بداية الشريط: (أنا لا أخاف من الموت، أخاف من الوقت.. والتاريخ، إن لم تكتبه أنت؛ يكتبه العدو).

إنها مخاوف الفنان الباحث عن معنى وجوده وطريق حريته، بين بلاده التي تتدهور سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، واحتمالات الخلاص في السفر والغربة.

يعتبر أدار المسرح مكان عبادة مقدساً، يمارس عليه حواره مع الناس، لكن الحوار يشترط الحرية، والحرية مكبلة بمسامير الخوف، يقول عن ذلك: (تخاف أن تعبر، تخاف أن تفكر، تخاف أن تخاف).

يختار أدار دور المهرج ليؤديه على مسرح الحياة، المهرج كائن لطيف، قادر على إعطاء الفرح، يخرج من اللعبة بخروجه من إطارها، يرسم في الهواء ويرقص مع الطيور المحلقة، إنّه كائن أكثر حرية من سواه، انتصر على وحشة الدخول إلى الضوء، وفهم تقلبات المراحل التي يقول عنها: (أنا أنت في المستقبل، أنت أنا في الماضي)!

يتبع بن عمرة أسلوبه الخاص في بناء أفلامه، فَالمرجعية الأساسية له هي الصورة، وبها يحدد سياق الفيلم وفق عناوين وبنود يحددها، ليشكل هيكل الفيلم ومحتواه والمراد إيصاله منه. إنها سينما خارجة عن السائد، مستقلة وغير مألوفة، قد لا تلقى الدعم والوصول الآن، لكنها مستمرة ومندفعة، يسير بن عمرة معها بإقدام، قافزاً فوق حواجز معتنقي الرتابة والتنميط، وفي جديده فيلم بعنوان (زمن الحياة) يتناول في موضوعه الأساسي فكرة الحمل والولادة، لكن من المؤكد أننا سنشاهد فيلماً يتجاوز موضوعه كما أفلامه السابقة، فيلماً مبتكراً لإضفاء تلك الدهشة الغائبة بغياب حرية السينما.

العدد 890 - 11/12/2019