فضاءات ضيقة | وسائل التواصل الاجتماعي.. وتشويه الذائقة

د. عاطف البطرس:

إذا كان النقد، بفعل عوامل مختلفة، عاجزاً عن متابعة الإنتاج الأدبي شرحاً وتفسيراً وتقييماً، لغزارته وتنوعه وتعدد وسائل نشره، ولقلة عدد النقاد المتخصصين بنوع أدبي محدد، ولانعدام التفرغ المهني، فماذا نقول عن الكتابات التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب، مما يساهم في تدني مستوى الإنتاج الأدبي ويفسد ذائقة المتلقين، بسبب ضعفها من الناحية الفنية؟!

كيف يمكن للنقد أن يتابع كل هذا الإنتاج الغزير الذي يمكن بثقة أن يصنف الكثير منه بالهذر، مع احترامنا لمشاعر منتجيه، فهم يعتقدون أنهم يبدعون أدباً على درجة عالية من الجودة والجمال، وما إن يتوجه أحد المهتمين بملاحظة إليهم، حتى تثور ثائرتهم وينهالون عليه بالشتائم والاتهامات، منها ضحالة الثقافة، والقصور المعرفي، والخشبية، والبعد عن مفاهيم الحداثة.

أصبحت الحداثة ستاراً يحتمي به قليلو الموهبة، ظناً منهم أن تحطيم الأشكال الفنية وحده كافٍ لدخول الحداثة التي هي بمنتهى البساطة مجموعة إنجازات تحققت عبر مراحل تاريخية مديدة بدءاً من الاكتشافات الجغرافية إلى التجارة فالصناعة فثورات الفكر والفلسفة وتطور المدن وانتشار الطباعة وازدياد عدد القراء، باختصار الحداثة تراكم معرفي فكري ثقافي اقتصادي اجتماعي أنتج رؤيا جديدة للعالم والمجتمع والإنسان تكنت بما يسمى حداثة، وليست فقط تحطيماً لأشكال قارّة.. ما من شك أن تلك الأشكال قابلة للتجاوز والتخطي، ولكن من الذين تملكوا هذه الأشكال، وهم قادرون على إبداع أشكال جديدة؟

عمل فرد لا يفي بالغرض، لابد من عمل مؤسساتي لمتابعة ما ينشر على هذه الوسائل، كأن تشكل لجان تضم نقاداً من ذوي الخبرة والدربة والنزاهة لمتابعة ما يكتب وفرز الجيد عن الرديء.. من سيشرف على هذه اللجان، وعلى آلية عملها، وما هي سبل إدارتها، وكيفيات التعامل معها؟ هذه الأسئلة مطروحة للبحث والتداول وصولاً إلى إجابات مقنعة وعملية عليها.

لا شك أن كلاً من وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب هم الأولى بمتابعة الموضوع، ليس لمراقبة كل ما ينشر إلكترونياً، وإنما ما هو متداول في الصحافة والمجلات ذات الشأن أيضاً.

لا يمكن أن يترك الأمر دون رقيب، والرقابة هنا على الجودة الفنية وليس على الأفكار والآراء التي تتضمنها النصوص المنشورة.

إذا أردنا أن ننمي ذائقة القراء، فلابد لنا من تقديم إنتاج صحي معافى لهم، شكلاً ومضموناً، وإلا تدهورت القيم الفنية، وبذلك ينخفض منسوب ذائقة القراء، الذي هو أصلاً متراجع بفعل ضعف المقروئية، لانشغال الناس في تلبية الاحتياجات اليومية في ظل ظروف عصيبة.

(ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان).. الغذاء الروحي محفز على الإقبال على الحياة، ومحاربة انتشار ثقافة اليأس وانعدام الثقة بالمستقبل، هنا يأخذ الأدب دور الملهم والمرشد والمغذي، والمحفز على تنمية الملكات الخيّرة الكامنة في نفس كل إنسان، وهي ليست بحاجة إلا إلى شرارة التفجير لينبعث أجمل ما في داخلها من مشاعر حب وتضحية وإخلاص.

فلنتعاون جميعاً أفراداً ومؤسسات لإيجاد طرق والوسائل المؤدية إلى تنمية ذائقة القراء، بتقديم الممتع والمفيد لهم، لأن ذلك مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن الدفاع عن وحدة الوطن ومتانة نسيجه الاجتماعي ومجابهة التخلف الذي يساعد على انتشار الأفكار الهدامة المعادية لتطلع الإنسان نحو تحقيق إنسانيته المهدورة.

العدد 887 - 20/11/2019