الحاجة والعادة

يزن المصري:

(الإنسان الذي صار كلباً) عنوان مسرحية قصيرة لإزوالدو دراغون، تحكي عن عامل فقير فقد عمله وصار يتوسل أصحاب العمل عملاً آخر، حتى أشفق عليه أحدهم وعرض عليه وظيفة حارس لمعمله بدل كلبه الذي مات.

اضطر العامل تحت وطأة الجوع والحاجة للقبول، صار يحرس المعمل بدل الكلب، ولأنه لا يوجد مكان يبيت فيه سوى بيت الكلب اضطر للنزول على أربع، وحتى يثبت لصاحب العمل كفاءته ولا يخسر مورد رزقه صار ينبح.. تماماً كالكلب الميت، وحين همّ بتقبيل زوجته الآدمية رفضت ولم ترَ فيه سوى كلبٍ بشبح إنسان!

إن النص الأدبي السابق بكل ما يحمله من معانٍ هو فسحة لتخيّل ما قد تفعله ثنائية الحاجة والعادة (أو التعود والتأقلم والرضوخ للأمر الواقع) بالإنسان.. الحاجة التي دفعته لأن يعمل محل الكلب والعادة التي حولته كلباً.

الحاجة اليوم في ربوع هذا الوطن تدفع المُعدمين للبحث في القمامة عن ما يسدُّ رمقهم، والعادة تجعلنا نرى هذا المشهد يومياً بكل أريحية، الحاجة تدفع شيخاً ضريراً مُسناً أن يتوسل المارة شراء محارمه في أحد شوارع دمشق المرموقة والعادة تجعلنا ننسى حتى التعاطف معه.

والعادة تدفع طلبتنا لترك مقاعدهم الدراسية والسفر أو التوجه لسوق العمل والعادة جعلتنا نصوع عبارة لمواساة أنفسنا في هذه الحالة (الشهادة ما بتطعمي خبز) والحرب تقتلنا وتقتل أحبتنا يومياً والعادة والتكرار جعلتنا نمل ذلك ولا نرى فيهم سوى أرقام تذكرهم نشرة الأخبار، الفقر والبؤس وانعدام الأمل يقتل شبابنا يومياً ويسوقهم للانتحار والعادة جعلتنا لا نفعل شيئاً سوى أن نذرف دمعتين وننسى.. أو نقوم بهدنة مع الذاكرة.

الأمثلة لا تنتهي لكن يبدو أننا بدأنا نعتاد حزننا ومعاناتنا وأمراضنا المميتة وتحولنا لأموات بأشباح بشر.

عندما تدخل سوق النحاسيين تكاد أصوات الضجة والمطارق تفقدك عقلك، لكن بعد مدة تعتادها ويختفي الصوت والسبب هو أن الخلايا العصبية الحساسة التي كانت مسؤولة عن سماع الصوت المزعج ماتت (نحن لا نعتاد ما لا نحبه حتى يموت فينا شيء يا أبي)! كما يقول نص أدبي آخر!

العدد 878 - 18/09/2019